الشر والخير في النفس الإنسانية
الشر والخير في النفس الإنسانية

لقد اختفى واستتر في الإنسان تحت قشرته الحيوانية والشيطانية، أمانة وإيمان، وصبر وجهاد، وبذل في سبيل الله وحب للعلوم، اختلط ذهب تقوى الله وذكره وامتزجت الأخلاق الملائكية بالأقذار والطبقات الكثيفة من حب الأنانية وإتباع الهوى والشهوات. وإن معمل التصفية والتصنيع لتخريج الشخص الإنساني وإنتاج الإنسان الكريم التقي النقي الملائكي، هو الصلاة..!

1961-09-27

أيها الأخوة والأخوات:
كلنا يعلم أنه في دنيانا هذه تبر وذرات ذهبية مخلوطة بالتراب، وضائعة في طبقات الأرض، كلنا يعلم أن هناك معادن كثيرة مختلفة، لا قيمة لها ولا نفع منها، إذا لم تصف من الأتربة والرمال، كما أنه لا فائدة منها إذا لم تذب وتنصهر، ولم تتحول إلى آلات، وقطع صناعية، وإلى سيارات وطائرات وبواخر بحرية.
أيها الأخوة:
ما أعظم الضرر على الإنسان، إذا أكل الصبارة بقشرها، ولم ينـزع أشواكها الدقيقة المؤذية؟ ثم أي مرارة تنغص على الآكل مذاقه، إذا أكل حب الرمان بجلده المر الحنظلي؟ بل أي دماء ستنـزف من اللثة واللسان، وأي حنظل يلقاه الإنسان لو أكل الجوز بقشريته، الخضراء وما تحتها؟
أيها الأخوة:
وهكذا الإنسان، لقد جمع في شخصيته ونفسه، ذهب وتراب، وصبارة وورد، وأشواك، وحب من الرمان حلو، ولب جوز من أحسن المغذيات، مع جلد مر المذاق، وقشر خشبي يجرح الفم، ويقرح الأشداق.
أيها الأخوة:
لقد جمعت في نفسية الإنسان، طباع الحيوان، وشرهه إلى اللذائذ والشهوات، من أكل وشرب، ونوم ونكاح، ووجد في نفسية الإنسان أيضاً، أخلاق الشيطان، من حب الأذى والظلم، وميل إلى الحسد والحقد، ومن تشوق إلى الخيلاء والكبر، واستطلاع نحو الطمع والخديعة والمكر.
نعم، لقد وجدت في الإنسان هذه الصفات الذميمة الضارة، والطباع البهيمية المنحطة، ومع كل هذا، فقد مزج بها ومعها أيضاً واختلط، رحمة وحنان، وعدالة وإحسان، وتعاون على الخير، ومحاربة للفساد، ومسارعة إلى رضى الله وطاعته، لقد اختفى واستتر في الإنسان تحت قشرته الحيوانية والشيطانية، أمانة وإيمان، وصبر وجهاد، وبذل في سبيل الله والمثل العليا، وحب للعلوم النافعة وشغف وعشق للثقافة المفيدة والصناعات الهامة.
نعم أيها الأخوة:
لقد اختلط في الإنسان، ذهب تقوى الله واتباع شريعته وذكر الإنسان لربه ولقائه، لقد امتزجت هذه الأخلاق الذهبية الملائكية باقذار وطبقات كثيفة شيطانية من حب الأنانية واتباع الهوى والشهوات، والميل إلى الكفر والفسوق، مع نسيان ذكر الله ولقائه في الدار الآخرة.
أيها الأخوة:
لقد بين القرآن في كثير من سوره وآياته هذا الإنسان الخام، غير المصفى الذي لم تمتد إليه يد التربية والتعليم هذا ولم تصفه من شهواته الحيوانية وشروره الشيطانية، ثقافة الإيمان والتقوى، لقد بين القرآن هذا الصنف من البشر الخام حيث خاطبهم الله جل جلاله فقال:
(وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وآباءَهُمْ حَتى نَسُوا الذِّكر ـ أي القرآن ـ وَكانُوا قوْمَاً بوراً) ـ الفرقان: الآية 18 ـ
وقال القرآن أيضاً مخاطباً لهم:
(بلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لنْ ينْقلِبَ الرَسُوْلُ وَالمُؤْمِنُون إلى أهْلِيْهِمْ أبدَاً، وَزُيِّن ذلكَ فيْ قُلُوبِكُمْ، وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتمْ قوْمَاً بُوْراً) ـ الفتح: الآية 12 ـ
نعم أيها الأخوة:
لقد كانوا قوماً بورا لم تنبت أرض قلوبهم خيراً ولا علماً ولم تثمر أشجار نفوسهم إيماناً ولا أخلاقاً فاضلة ولا تقوى، بل لقد كانوا كالأرض البور الأتي تربي تربتها الأشواك المؤذية، والحيات المهلكة والذئاب المفسدة.
أيها الأخوة:
بل لقد وضح القرآن هذا الإنسان الخام، الذي لا يعرف من الحياة، إلا غذاء الجسم، وملاذ الجسد، وسلامة البدن وشهواته، والذي لا خبر له ولا علم عن الإنسانية وفضائلها، وعن الأخلاق الكريمة ومنافعها، كما بين القرآن للناس، طريقة صقل هذا الإنسان الخام وكيفية تصفيته من أخلاقه البهيمية وطبائعه الشيطانية، فقال الله تعالى:
(إنَّ الإنسَانَ ـ أي قبل إيمانه الحق وتدينه العملي ـ خُلِقَ هَلُوعَاً إِذَا مَِسَّهُ الشَرُّ جَزُوعَاً، وَإذَا مَسَّهُ الخيْرُ مَنُوعَاً، إلا المُصَلِّين، الذينَ هُمْ عَلى صَلاْتهمْ دائمُونَ وَالذِينَ فيْ أمْوالِهمْ حَقٌ مَعْلُوْمٌ، للْسَائِلِ والمحْرُوم، والذيِنَ يُصَدِّقوْنَ بيَومِ الدينِ، والذيِنَ هُم مِن عَذَابِ رَبهِم مُشْفِقُونَ، إِنَّ عَذَابَ رَبهمْ غَيْرُ مَأمُون، والذيِنَ هُم لفُروجهِم حَافِظُون، إلاَّ على أزواجِهِم أو مَا مَلَكتْ أيمَانُهُمْ فإنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِيْنَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَراءَ ذلكَ فأُولئِكَ هُمُ العَادُونَ، والذِينَ هُمْ لأَمِاناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، والذينَ هُمْ بشَهَادَاتِهِمْ قائمُونَ، والذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحَافظونَ، أولئِكَ فيْ جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ) ـ المعارج: الآية 19 ـ 35 ـ
أيها الأخوة:
فها نحن نجد القرآن الكريم يصف الإنسان الخام، بالجزع والهلع والخفة والطيش والجبن والهزيمة عند الملمات والأزمات، وينعته بالأنانية والبخل والشح، وبالظلم والحيف والجور إذا أعطي الغنى والثروة أو السلطان والحكم والقوة.
أيها الأخوة:
ثم نجد القرآن يذكر لنا معمل التصفية الإنسانية والتكرير، ونتائج تصنيع الدين وثمرات صقله، لهذا الإنسان الخام، إن معمل التصفية والتصنيع، لتخريج الشخص الإنساني، وإنتاج الإنسان الكريم التقي النقي الملائكي، إن هذا المعمل هو الصلاة، الصلاة وحدها.
أيها الأخوة:
ولكن أي صلاة هي هذه الصلاة؟ أقول في الجواب، هي تلك الصلاة التي تذيب في معملها، وتحرق في فرنها من الإنسان كل صفاته الخبيثة، وتجتث من تربة نفسه، كل جذور طباعه الرديئة، هي تلك الصلاة التي تربي في ترابها النقي الأصيل، وفي مناخ هوائها العليل، وفي صافي مائها النقي السلسبيل، تلك الصلاة التي تربي وتنبت في نفس المصلي عظمة الله وجلاله، وخشيته ومهابته، وذكر لقائه، والتي تمثل في القلب والفكر عدل الله وقصاصه، وثوابه وعقابه، تلك الصلاة التي تغرس في النفس ملكة مراقبة الله، وملاحظة شهوده لأفعال الإنسان وأعماله، كبيرها وصغيرها، وشاهدها وغائبها، جليلها وحقيرها، تلك المراقبة، التي تقود الإنسان في حياته إلى سلوك الطريق المستقيم، سواء كان ذلك الإنسان، حاكماً أو محكوماً، غنياً أو فقيراً، مقيداً أو مطلقاً ذلك السلوك، وذلك المنهاج، الذي يقود الإنسان إلى سعادته وسعادة المجتمع، بل وسعادة البشرية في الدنيا والآخرة.
أيها الأخوة:
الصلاة الحقيقية المقبولة، المليئة بالخشوع وحضور القلب مع الله، هي معمل التكرير والتصفية للإنسانية الكريمة، لا تلك الصلاة التي تجمع حركات جسدية، وتمتمة لسانية، مع قلب ميت بالغفلة عن الله، وفكر شارد لاهٍ عن خطاب الخالق جل جلاله وفهم وصاياه.
أيها الأخوة:
يقول الله في الحديث القدسي {ليس كل مصل يصلي إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، يفعل كل ذلك من أجلي، وعزتي وجلالي، إن نور وجه هذا المصلي عندي، لأضوأ من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلماً، والظلمة نوراً، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبر قسمه، أكلؤه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس، لا يتسنى ثمرها، ولا يتغير حالها} ـ رواه الديلمي عن حارثة بن وهب ـ
وقال الله تعالى:
(فأمَّا مَنْ طَغَى وآثرَ الحَيَاةَ الدُّنيا، فإِنَّ الجحِيْمَ هِيَ المأوى وأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوى، فإِنَّ الجنَةَ هِيَ المَأوَى) ـ النازعات: الآية 37 ـ 41 ـ والسلام.