الدين والعقل
الدين والعقل

استيقظ العرب الأولون من سباتهم العميق الجاهلي ونومهم الثقيل الوثني على صوت القرآن ووحي السماء، فأشعر فيهم نور الفكر الثاقب وساقهم إلى الوحدة والتحرر والأخلاق والعلوم والفتح، ثم نام العرب والمسلمون، ونستيقظ اليوم فماذا نرى..؟ أمماً نحلق في السماء وتغوص في أعماق الماء وتتكلم بسلك وبلا سلك ومركبة الفضاء طائفة وسابحة ومتكلمة وسامعة.

1961-08-19

أيها الأخوة:
قاربان للنجاة لا ثالث لهما، ونوران يضيئان للإنسان طريق السعادة والخير ليصل إليهما، دليلان متعاونان متحالفان، ونوران يخرجان من مشكاة واحدة، لا تعاكس بينهما ولا تنافر، ولا اختلاف بينهما ولا تناكر، إذا حظي الإنسان بأحدهما، أخذه بيده ودله على الآخر، فإذا اجتمعا كملت النعمة وتمت المنة.
هما هبة الله للإنسان وهديته إليه، ألا وهما العقل والدين، العقل المفكر الدارس، والدين النقي من أخلاط الجهالة والتعصب والتزمت، الدين الذي يحث العقل على اليقظة والتفكير، والفهم والتدبير، دين الله وشرائعه التي تقول:
(يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَومٍ يَعْلَمون) ـ سورة يونس: الآية 5 ـ والتي تقول: (كذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لكُمْ آياتِهِ لعَلَّكُمْ تَعْقِلونَ) ـ البقرة: الآية 242 ـ ويقول أيضاً: (كذلِكَ يُبَينُ اللهُ لكُمُ الآياتِ لعَلَّكُمْ تَتَفكَّرون في الدُّنيا والآخِرَة) ـ البقرة: الآية 219 ـ
في أي شيء نتفكر؟ وعن أي شيء نبحث ونفحص، يقول القرآن العظيم: (لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة). أي في حياتكم الجسدية الأرضية وما يستتبعها من علوم ومعارف، وزراعة واقتصاد، وقوة وجهاد، وصحة ومال: وتتفكرون أيضاً في حياتكم الروحية الكاملة، وما يلزمها من فضائل وأخلاق وأداء واجبات العبودية، وصلة الروح الإنسانية بنور الله العظيم الخلاق.
أيها الأخوة:
لقد استيقظ العرب الأولون من سباتهم العميق الجاهلي، ونومهم الثقيل الوثني على صوت القرآن ووحي السماء، فسلموا أيديهم إليه، وما هي إلا برهة يسيرة، حتى أحيا فيهم القرآن العقل الناضج، وأشعل فيهم نور الفكر السليم الثاقب، وما زال العرب سائرين بهدي الوحي والعقل ومستنيرين بنورهما الكشاف لحقائق الحياة، حتى ظفروا بالعلم وقطفوا من أشجاره ثمار الحكمة والمعرفة، فهدتهم آيات القرآن، وأنوار العقل والعرفان، إلى الوحدة والتحرر، والأخلاق والفضائل والعلوم والمعارف، والفتوحات الإنسانية الحرة، التي حققوا بها أعظم جامعة إنسانية بشرية موحدة، في قارات آسيا وأفريقيا وأوربا، جامعة إنسانية تنعم بالعدالة والمساواة، وبالقوة وبالعظمة وتجمع الإنسان الأبيض والأسمر والأسود والأصفر، تحت لواء التعاون والمؤاخاة والحرية العقلية والفكرية والدينية والمساواة، فكان المجتمع القرآني، أسعد مجتمع حظيت به الإنسانية بالرخاء والسعادة والحياة، حيث تفتحت لها أبواب العلوم المختلفة، من طب وصيدلة وفلسفة وهندسة، وعلوم الحيوان والنبات والطبيعة وعلوم الضوء والفلك وغيرهما من العلوم.
ثم نام العرب والمسلمون نومتهم، ثم نستيقظ الآن، فماذا نرى وماذا نشهد، نبصر أمماً تحلق في السماء وتغوص في أعماق الماء وتتكلم بسلك وبلا سلك، ويفجرون ينابيع العلوم والمعارف، ويستخرجون كنوز الأرض ومعادنها الدفينة ويتقاسمون الشعوب والأمم بينهم نفوذاً وسيطرة، كل ذلك من رشحات العقل المفكر والفهم المدبر، الذي ساق بعضهم إلى إيجاد السوق الأوربية المشتركة، والبعض الآخر إلى ضم شعوب وأمم، في بوتقة واحدة باسم الاتحاد السوفياتي وبعضاً آخر باسم رابطة الشعوب البريطانية، مع اختلاف هذه الشعوب لوناً وجنسية وقارة وديناً، مع إنفاق هذه الشعوب والأمم آخر درهم وفلس في التصنيع والاقتصاد والعلوم.
كل هذا والعرب والمسلمون دول شتى وجنسيات مختلفة، وحفاظ وحراس على سلامة وقدسية حدود، خططها لهم الاستعمار الماكر، والعدو الظالم الفاجر، وأنانيات تتحكم دون الوحدة والاتحاد، تمكر وتراوغ، وقصور ألف ليلة وليلة، غارقة في البذخ والترف وقناطير المال في سجون الأشر والبطر، والبخل والشح، محبوسة عن التصنيع وعن الشعوب، سادر أصحابها في سبات لهوهم ومجونهم، غارق أربابها في بحار لذاتهم الرخيصة وشهواتهم البهيمية، هذا ومركبة الفضاء الروسية تحيط بكرتنا الأرضية طائفة سابحة متكلمة وسامعة، ومشاهدة وشاهدة، كأن آية القرآن هذه وهي قوله تعالى:
(قُلْ انظُروا ماذا في السَّموات والأرْضِ) ـ يونس: الآية 101 ـ كأنها نزلت على الروس وكأن قوله تعالى وكلمته هذه:
(كذَلِكَ يُبيِّنُ الله لكمُ الآياتِ لعلكُمْ تتفَكرونَ في الدُّنيا وَالآخِرَةِ) ـ البقرة: الآية 219 ـ نزلت على الأمريكان والأوربيين، وكأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: {ليس مني إلا عالم أو متعلم} ـ رواه الديلمي عن ابن عمر ـ كأنه خاطب به غير العرب والمسلمين، لقد تقدمت الشعوب والأمم، والعرب والمسلمون أنواع منوعة، منهم من يفهم أن الحياة جمع الأموال وكنزها وحبسها في سبيل مصالحهم الخاصة، وشهواتهم الحيوانية، ومنهم من يفهم الرقي والتقدمية، أنها خمر ومجون وتنكر للأخلاق والفضائل، ومنهم من يفهم أن الإسلام صلاة وصيام وعبادة فحسب، ولا شأن للإسلام بأمور الحياة الدنيا، ضارباً عرض الحائط بقوله تعالى: (لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة) ومتجاهلاً أو أعمى عن أمر الله القرآني:
(قُلْ انظُروا ماذا في السَّموات والأرْضِ) ـ يونس: الآية 101 ـ متناسياً تاريخ العرب الأغر وسيرة المسلمين الأولين، وكيف فهموا الإسلام أنه دين ودولة وثروة وقوة وتضحية وجهاد وإنسانية ورحمة، هذا الفريق من المسلمين لعلهم لا يعلمون أن كبار الأوربيين المنصفين، أعلنوا على رؤوس الأشهاد، أنهم تلامذة آبائنا الأولين، وأن الحضارة والعلوم الأوربية إنما هي بنت الحضارة والعلوم الإسلامية.
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة أو كنت تدري فالمصيبة أعظم
أيها الأخوة:
إن الحوادث والكوارث قد أيقظت العرب وأفاقتهم من رقدتهم الطويلة، وهاهي معظم الشعوب العربية والإسلامية قد استقلت وتمتعت بحريتها السياسية وهاهو الاستعمار يلفظ أنفاسه الأخيرة في الجزائر وتونس وعمان، وهاهو التحرر العربي الاقتصادي يطرد الاستعمار، كما نرى حملة العلوم والتصنيع قائمة على قدم وساق بفتح الجامعات والكليات المختلفة المتنوعة، وهاهم أبناؤنا الطلاب في معسكرات الفتوة والبطولة يتدربون على صناعة الموت للأعداء والمستعمرين وها نحن نقاتل الاستعمار في عمان والجزائر وتونس.
وها نحن نشهد إخوتنا شباب جبل العرب والعلويين وإخوتنا شباب السلمية، في حدائق الجامع الأزهر يتنـزهون في رياضه، ويتنعمون برحيقه وأزهاره فما علينا إلا أن نكون روحاً واحدة في أجساد متعددة، ونقدم مصلحتنا العامة على المصالح الخاصة، ونؤثر على أنفسنا ولو كان بنا خصاصة وأن نسأله تعالى أن يتمم علينا إيماننا وإسلامنا الذي يجمع لنا قوة العقل والعلم وإلى جانب قوة الإيمان والإسلام. والسلام.