التزود والاستعداد
التزود والاستعداد

اليوم دنيا وغداً آخرة، اليوم حياة وغداً وفاة، اليوم حرية وشهوات ومعاص وأهواء ويفعل الإنسان ما يشاء، وغداً صحائف مكتوبة، وأعمال مرموقة وشهادة الملائكة عليك يا أخي مقبولة غير مردودة حتى إن أعضاءك وجوارحك ستشهد عليك ويخاطبك الله (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا)

1961-06-28

أيها الأخوة:
إن الإنسان العاقل الحكيم، هو من يفكر في عواقب الأمور، ولا يغتر بابتسامة الدنيا إذا ابتسمت له، والحازم الفطن هو من لا ينخدع بزينة هذه الحياة، مهما أعطته من شباب وجمال، وجاه وثروة وسلطان، لن بعد النهار ليلا، وأن بعد زهور الربيع وورده سقوط الأوراق في الخريف وتبدل الورد بأشواك في الشتاء، وهكذا. بعد قوة الشباب وجماله، وبعد نعيم الثروة وعزة الحكم والسلطان، سيعقب القوة ضعف ووهن، وسيخلف جمال الشباب أمراض الشيخوخة والعجز والهرم، وكم من أغنياء كانوا يملكون الملايين، أصبحوا لا يملكون غذاءهم وكساءهم، وهكذا ملوك ورؤساء، وقادة ووزراء وقضاء وحكام، أصبحوا في خبر كان، ونسج العنكبوت على عظمتهم وجلالهم نسج الإهمال والنسيان، هذا عدا ما ذاقوه من مرارة العزل وشماتة الأعداء وألم الحرمان.
أيها الأخوة:
اليوم دنيا وغداً آخرة، اليوم حياة وغداً وفاة، اليوم حرية وشهوات ومعاص وأهواء، ويفعل الإنسان ما يشاء، وغداً صحائف مكتوبة، وأعمال مرموقة وشهادة الملائكة، عليك يا إنسان مقبولة غير مردودة بل إن أعضاءك وجوارحك ستشهد عليك، وستذوب حياء وخجلاً من خالقك، حين يخاطبك بعزة العدالة الإلهية، قائلاً لك:
(إِقْرَأ كِتابَكِ كَفى بِنَفْسِكَ اليوْمَ عَليكَ حَسِيباً) ـ الإسراء: الآية 14 ـ
أيها الأخ الكريم:
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {الكيْس ـ أي العاقل الفطن ـ من دان نفسه ـ أي من راقبها وحاسبها في الدنيا ـ وعمل لما بعد الموت، والعاجز ـ أي في عقله وفهمه ـ من أعطى نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني} ـ رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن شداد بن أوس ـ.
أيها الأخ الكريم:
المستقبل مستقبلان، مستقبل في دنياك، لضمان هنائك في هذه الحياة، ولا تصل إليه إلا بعد تعب ونصب، وغربة وسفر ودراسة وسهر، ثم لا تدري هل تتحقق لك الأماني بعد كل ذلك أم لا؟
أما المستقبل الثاني: فهو الحياة الدائمة والعمر الخالد المديد في جوار الرحمن، في أرض غير هذه الأرض، وعالم غير هذا العالم، ولا تستطيع يا أخي أن تصل إلى تلك العوالم الشفافة النورانية الجميلة، بجسدك الثقيل، وبدنك الترابي، الكثيف، إنما ستطير إلى الملأ الأعلى والعالم الأسنى، بجناحي روحك، المزكاة من دنس المعاصي، والمحلاة بنفائس الأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة تلك النفوس الطاهرة، التي وصفها الله في محكم قرآنه، بقول تعالى:
(تَتجافى جُنوبُهُمْ عَنِ المَضاجِع يَدعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمّا رَزَقناهُمْ يُنْفِقونَ فلا تَعْلمُ نَفسٌ ما أُخْفيَ لهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعينٍ جزاءً بِما كانُوا يَعْمَلونَ، أفَمَن كانَ مُؤمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً؟ لا يستَوونَ. أما الذِّينَ آمَنُوا وَعَمِلوا الصَّالِحاتِ فَلهُمْ جَناتُ المأوى نُزُلاً بِما كانوا يَعْمَلون وأما الذينَ فَسَقوا فَمَأواهُمُ النَّارُ كُلَّما أرادوا أنْ يَخْرُجوا مِنْها أُعيدوا فيها وَقيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَار، الذي كُنتُم بِهِ تُكذبُون) ـ السجدة: الآية 16 ـ 20 ـ.
إخوتي وأخواتي:
ماذا أعددنا لذلك العالم إذا انتقلنا إليه، وماذا يكون حالنا إذا صرنا إليه؟
وهل يمكن لزارع الشعير أن يحصد حنطة وقمحاً؟ وهل يمكن لغارس الشوك أن يجني طيباً وورداً؟ كذلك لا ينزل الأشرار والفجار في منازل المتقين والأبرار كما قال الشاعر:
سيحصد عبد الله ما كان زارعا فطوبى لعبد كان لله يزرع
إخوتي وأخواتي:
إن أحدنا في سبيل الحياة القصيرة الفانية، على سطح هذه الأرض، ذلك الكوكب الحقير يصرف شبابه وقواه، ويضرب في الأرض مشرقاً ومغرباً، يبتغي التكاثر والتفاخر وقد بنى وعمر، وزرع وغرس وجمع الثروة والأموال الطائلة والعمارات الفخمة، واستمتع بأنواع الملذات والملاهي، وقد ذهب من العمر أكثره، بل لعل كثيراً من الناس، لاحظ لهم في الشيخوخة والهرم، ثم ماذا؟ ثم أي شيء بعد كل تلك الجهود وتجميع هاتيك الثروة والأموال؟ هل فكر المؤمن العاقل في عظة الله للإنسان وإيقاظه له من سبات نومه العميق حيث يقول:
(اعْلَمُوا أنما الحياةُ الدّنْيا، لَعِبٌ وَلَهوٌ، وَزينَةٌ وَتفاخُرٌ بينَكُمْ، وَتَكاثرٌ في الأموالِ وَالأولادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ ـ أي مطر ـ أعْجَبَ الكفارَ ـ أي الزراع ـ نَباتُه؛ ثُمَّ يَهيجُ فَتراهُ مُصفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً، وَفي الآخِرَةِ عَذابٌ شَديدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرضوانٌ ومَا الحياةُ الدُّنيا إلا مَتاعُ الغُرور). (سَابقُوا إلى مَغْفِرَة مِنْ رَبكُمْ وَجَنَّةٍ عَرضُها كَعَرْضِ السمّاءِ وَالأرْضِ، أعدَّتْ للذينَ آمَنُوا باللهِ وَرُسلِهِ، ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللهُ ذو الفَضْلِ العَظيم) ـ الحديد: الآية 20 ـ.
أيها الأخوة:
أليست حياة الإنسان في طفولته لعباً ولهوا؟ ثم في شبابه، أليست لهوا وزينة وتفاخراً ثم بعد ذلك، أليست الحياة تجميعاً للمال وتكاثراً؟ ثم ماذا بعد كل ذلك، أليس زوال ورحيل وفناء لهذا الجسد وتحطيم، مثل حياة الزرع تماماً، وقد نزلت الأمطار فأنبتت الأرض الزرع والأزهار ثم قوى الزرع ونما، ثم اصفر ولوى، ثم اختطفته المناجل ثم داسته الدواب؟ هكذا يمثل القرآن حياة الأجساد والأبدان.
أما الخلود: فللأرواح، مستصحبة معها العقل والشعور والحس، فماذا أمام الإنسان في الحياة الآخرة السرمدية الخالدة؟ يجيبنا الله عن ذلك قائلاً (وفي الآخرة عذاب شديد، ومغفرة من الله ورضوان) العذاب الشديد لمن؟ أليس لمن أضاع فرائض الله، وأهمل واجباته نحو الذي خلقه من نطفة ولم يك شيئاً أليس لمن تجرأ على الله، ولم يستح من مشاهدة الله له، وهو مرتكب معاصيه، ومتجاوز حدوده، أليس العذاب الشديد، لمن بدل شكره لنعم الله عليه من صحة ومال، وجاه وسلطان وجمال، بدل شكره كفراً؟ واعترافه بفضل الله عليه جحوداً ونكراً، ولمن بدل مسارعته إلى طاعة ربه وميادين مرضاته، بمسارعته إلى معصيته وميادين مخالفاته فأضاع الصلاة ومنع الزكاة، ألا يستحق العذاب من اتبع الشهوات ومن اتخذ إلهه هواه، ومن غرق في بحار الغفلة، حتى لم يشعر إلا وهو بين يدي ربه موثقاً مقيداً، معروضة أعماله المخزية على ربه ليحاسبه عليها.
(أما المغفرة) فلمن تاب من ذنوبه واستغفر ربه من سيئاته، ولمن ندم على ما فرط في جنبب الله، فرجع يصلح ما أفسد، ويرمم ما خرب، ويستدرك ما فيه قصر.
(وأما الرضوان) فلمن أسس حياته على التقوى، ولمن وهب شبابه وحياته لحضرة الله جلَّ وعلا، ولم تفتنه ولم تغمره هذه الحياة الدنيا، (الرضوان) لمن علم أن الحياة هذه، مضمار فضمر نفسه عن شهواته الفاجرة الرخيصة ولمن علم أن الآخرة سباق، وأن غاية السباق الجنة أو النار.
(المغفرة والرضوان) لمن اغتنم فعل الخيرات في حياته قبل موته وفي صحته قبل سقمه وفي شبابه قبل هرمه وفي غناه قبل فقره، وفي فراغه قبل شغله.
والسلام.