التاريخ يعيد نفسه
التاريخ يعيد نفسه

معلم ناصح أمين، وحكيم قاض مقسط، من هدي إليه رشد، ومن اتبع نصائحه نجح، ومن فهم عبره سعد...؟ ألا وهو التاريخ. وها هو ينبئنا بأن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم قاد العرب لا بتشريع أجنبي، يوناني أو روماني، ولا بتشريع بشري ممزوج بأهواء ومصالح خاصة يتخبط في أخطاء، ويغوص في أزمات، بل قاد قافلة التحرر العربي والإنساني إلى حياة العزة والكرامة والاستقرار بتشريع السماء.

1961-10-11

أيها الأخوة:
إن من أعظم العلوم شأناً، وأجلها مكانة، في رفعة الأمم وانخفاضها، وضعفها وقوتها، لهو علم التاريخ... ذلك العلم العظيم، والمعلم الناصح الأمين، التاريخ، ذلك الحكم العدل، والقاضي المقسط، من درسه بتفهم وتعمق، هدي ورشد، ومن اتبع نصائحه، وفهم عبره، نجح وسعد، ولذلك اعتنت كل الأمم المتحضرة، في القديم والحديث بدراسة تاريخها، بل وتاريخ غيرها من الشعوب، درست الأمم ولا تزال تدرس، تاريخ رجالاتها، ورجالات غيرها من الشعوب، بحثاً وراء خطط ناجحة، وسعياً للاهتداء إلى برامج صائبة، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم {الحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها التقطها) ـ ابن حبان عن أبي هريرة ـ.
أيها الأخوة:
إن من ينظر إلى تاريخ الأمة العربية، قبل الإسلام ماذا يجد؟ أنه يشهد العرب ويبصرهم، قبائل شتى، وخياماً في السهول والصحاري، مبعثرات، يتنازع ديار العروبة، استعمار فارسي وروماني وحبشي.
إن من ينظر إلى أمة العرب قبل الإسلام، يجد فقراً مدقعاً، وجهلاً متربعاً، وربا متفشياً، وأحجاراً وأخشاباً تتخذ آلهة معبودة، ويجد امرأة تورث ولا ترث، وطفلة تدفن وهي حية، وأطفالاً يقتلون من الجوع، وخشية الإملاق.
هل يستطيع الناظر إلى العرب قبل الإسلام، أن يقارنهم بأمة متحدة متحضرة، أو يساويهم بدولة محترمة قوية كالفرس والرومان؟ اللهم لا وألف مرة لا، ثم ماذا حدث بعد ذلك؟
ظهر الإسلام، ونزل القرآن، وقاد أمة العرب سيدنا محمد علية الصلاة والسلام، قاد العرب، لا بتشريع أجنبي، يوناني أو روماني، ولا بتشريع بشري، ممزوج بأهواء ومصالح خاصة يتخبط في أخطاء، ويغوص في أزمات، بل قاد أمة العرب، بتشريع من عزيز حميد، تشريع فاطر السموات والأرض، تشريع خالق الشمس والقمر، والنجوم والعوالم.
ذلك التشريع الإلهي، والقانون السماوي، الذي يحارب الفقر وينشر العلم، ويحترم الأديان السماوية، ويساوي في الحقوق والواجبات، بين أفراد الرعية على اختلاف ألوانهم وأديانهم، كما يساوي بين الحاكم والمحكوم، ذلك التشريع الإلهي، الذي حرر المرأة والعبيد، وقاد قافلة التحرر العربي والإنساني، التحرر من الاستعمار ومن الجهل، ومن الفقر، ومن التمييز العنصري، إلى حياة العزة، والكرامة، والاستقرار، قال: النبي صلى الله عليه وسلم {كلكم من آدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى} ـ رواه البيهقي ـ.
أيها الأخوة:
لقد حارب الإسلام الفقر، في دستوره القرآني حيث يقول:
(وفيْ أمْوالِهمْ حَقٌ مَعْلُومٌ، لِلْسَّائِلِ والمحْرُومِ) ـ الذاريات: الآية 19 ـ كما بين ذلك القانون النبوي حيث يعلن وينادي {ما آمن بي ساعة من نهار، ومن أمسى شبعان، وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم} ـ البزار والطبراني عن أنس ـ. وحارب الإسلام الجهل أيضاً، فقال النبي الكريم: {ليس مني إلا عالم أو متعلم} ـ الديلمي عن ابن عمر ـ
أيها الأخوة:
أما حرية الأديان السماوية، في ظل قيادة القرآن، فيكفينا منها في بيانها مثالان إسلاميان، أحدهما حين أنزل النبي الكريم ضيوفه من وفود النصارى، في مسجده الشريف، ولما أرادوا القيام لصلاتهم في مسجده النبوي، أراد بعض الصحابة منعهم من ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {دعوهم يصلوا، لا تمنعوهم من صلاتهم لله في مسجدنا}.
وأما المثال الآخر، على حرية الأديان السماوية، ورعاية حرمتها وحقوقها، في ظلال الإسلام، فذلك عندما دخل عمر بن الخطاب، زائراً كنيسة القدس، ثم لما حان وقت الصلاة، إذا بعمر يخرج ويصلي خارج الكنيسة أمام بابها.
فقال له الأسقف المسيحي: لم لم تصلي داخل الكنيسة؟ فأجابه عمر أمير المؤمنين، أخشى أن يأتي وقت، يقول بعض الجاهلين، لقد صلى عمر في الكنيسة، فيتخذون من صلاتي داخلها ذريعة لأخذ الكنيسة والاستيلاء عليها.
أيها الأخوة:
وأما مساواة شريعة القرآن بين أفراد الرعية، من غير اعتبار جنس، أو لون، أو دين، فلأقتصر من ذلك على مثالين أيضاً، أما الأول: فذلك عندما دخل رجل مسيحي مظلوم، على أمير المؤمنين، عمر بن عبد العزيز فقال يا أمير المؤمنين: {أسألك الحكم بالقرآن كتاب الله عزوجل، قال: وما شأنك؟ قال: العباس بن الوليد بن عبد الملك، اغتصبني أرضي، يقول المسيحي ذلك، والعباس جالس يسمع، فقال عمر: يا عباس ما تقول؟ قال: نعم، ولكن أقطعنيها الوليد أمير المؤمنين، وكتب لي بها سجلاً وكتاباً، فقال عمر: ما تقول أيها المسيحي؟ قال: يا أمير المؤمنين، أسألك الحكم بكتاب الله، الحكم بالقرآن، فقال عمر: نعم، كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد، قم يا عباس فرد على الرجل ضيعته، فردها إليه، ورجع المسيحي يطري عدالة الإسلام وإنصافه.
أيها الأخوة:
وأما المثال الثاني: فقصة القبطي الشهيرة عندما ضربه ابن عمرو بن العاص وهو يخاطبه أنا ابن الأكرمين، ثم أعطاه عمر السوط للقبطي قائلاً له: {اضرب ابن الأكرمين} فضربه حتى اشتفى إلى آخر القصة، ثم قول عمر يخاطب نائبه على مصر قائلاً: {متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً}.
أيها الأخوة:
وأما المساواة الشريعة الإسلامية، في الكرامة والحقوق بين الراعي والرعية، وعدم ترفع الحاكم على شعبه وامتناع احتجابه عنهم، فيكفينا منه ما أثبته النبي الكريم وخلفاؤه بأعمالهم، حين كانوا يعاقبون المسيء، ثم إذا ظهرت بعد ذلك براءته، كيف كان النبي الكريم وخلفاؤه، يسلمون السوط للبريء، ليقتص لنفسه منهم، ويضربهم كما ضربوه، يضرب من؟ ويقتص ممن؟ يقتص لنفسه من النبي، من النبي ذاته! ومن الرئيس الملك، الخليفة أبي بكر وعمر وغيرهما.
أيها الأخوة:
وها هو عمر بن الخطاب، يبلغه عن نائبه سعد أنه قد بنى لنفسه قصراً في الكوفة، وجعل لقصره بابا مغلقاً دون ذوي الحاجة، فيرسل عمر محمد بن مسلمة ليحرق الباب المغلق، وبعد إحراقه يأمر سعداً بأن تكون إقامته في النهار في المسجد، حتى لا تحتجب عن أحد من الناس.
أيها الأخوة:
وها هو عمر أيضاً يخاطب الشعب من فوق المنبر، فيقول لهم: {ماذا تفعلون بي إذا أعوججت؟ فيجيبه الناس، لو فعلت ذلك قومناك بسيوفنا تقويم القدح، فيقول عمر وهو فرح طرب: فأنتم إذن، فأنتم إذن}.
أيها الأخوة:
إن مبادئ الإسلام وأحكام تشريعه، هي التي أنعشت العروبة؛ وأحيت آمالها، وهي التي أكسبت العرب بفضل تطبيق شريعة الإسلام السمحة، التطبيق العملي، هي التي أكسبتهم وحدتهم وقوتهم.
تلك الوحدة الفولاذية القرآنية، التي امتدت بعد ذلك من الخليج إلى المحيط ثم توسعت رقعة العروبة بالإسلام أيضاًً، حتى امتدت إلى قلب فرنسا والصين.
أيها الأخوة:
ثم ماذا نجد بعد ذلك، إننا نجد عبر التاريخ، أن رجال السياسة في دنيا الإسلام والعروبة، لما انحرفوا عن الإسلام العملي، نجدهم كيف كانت الهزيمة والخذلان، والذلة تحيط بهم ونحيق، ثم نجد مرة أخرى ونشهد، عودة رجال الحكم والسياسة، إلى العمل بالقرآن وإحياء شريعة الإسلام، فنجد حينئذ، معونة الله ونصرته بين أيديهم وبإيمانهم، ونجد الوحدة بين الشعوب العربية والإسلامية، طوع أناملهم، والعدو منهزماً أمامهم، وما ذكرى انتصار صلاح الدين، ونور الدين على أوروبا عنا ببعيد.
أيها الأخوة:
لقد مر علينا بعد جلاء فرنسا عهود وعهود جربناها وكلنا يعرف النتيجة، فهل لنا أن نجرب الإسلام ونعمل بالقرآن مرة واحدة، كما عمل النبي الكريم وخلفاؤه، وإن والله لضامن لجمهوريتنا العزيزة إذا تبنت الإسلام، أن يكرمها الله ويشرفها، لا بقيادة الوحدة العربية فقط، بل وبوحدة الشعوب الإسلامية أيضاً تحت قيادتها، أتحسبون أن هذا بعيد، أو مستحيل؟ لا والله وألف مرة لا، أما حملت الشام يوماً من الدهر هذا اللواء؟ أما كانت دمشق يومئذ سيدة العالم، سيدة الشرق والغرب، ولكن هل كان ذلك إلا بفضل الإسلام والقرآن.
يا رجال جيشنا الأشاوس، ويا وزراءنا الكرام، يا أبناء محمد وعيسى، يا أبناء أبي بكر وعمر، ويا أحفاد صلاح الدين، اعلموا أنكم مسؤولون أمام الله، وأمام ضمائركم، وأمام العالم، وأمام عروبتكم، عن وحدة العرب، ووالله لا وحدة لكم إلا بالقرآن، إلا بمبدأ سيدنا محمد عليه السلام، ومبدأ خالد، وسعد، ومبدأ طارق وقتيبة، ومبدأ صلاح الدين، ذلك المبدأ الذي سمعتم بعض تفاصيله آنفاً.
{اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد}. والسلام.