الإيمان الحي
الإيمان الحي

الدين الحق والإيمان الحي، هو ما يقل صاحبه من ضعف إلى قوة، ومن جهالة إلى علم، ومن فقر إلى غنى، ومن فرقة إلى وحدة ومن ذل إلى عزة وكرامة، الدين الحق هو ما ضمن للإنسان سعادته في عالم الأرض وعالم السماء.

1961-07-19

أيها الأخوة:
كثير من الناس، إن لم نقل أكثرهم، يظن إن الدين طقوس ومظاهر وإن الإيمان ألفاظ وكلمات تتلى باللسان، ودعوى وانتساب إلى دين الله، وإن لم يصحبه دليل ولا برهان.
لا {أيها الأخوة} إن الدين ثقافة وعلم، وتربية للأخلاق الفاضلة، وتحلية للنفس الإنسانية بالصفات الكريمة والأعمال الجليلة النافعة، ولا تقوم هذه الصفات العالية الرفيعة، في النفس البشرية ولا تتحقق، إلا إذا كان هناك أساس متين، وصلة قوية بين العقل والفكر من جهة وبين القلب والروح من جهة أخرى، ثم بينهما معاً وبين الله جل جلاله ودينه، هذه الصلة بين الإنسان وربه هي التي تغرس في القلب خشية الله ومحبته، وجلاله ومعرفته، هذه الصلة بالله هي التي تدفع الإنسان إلى عشق العلوم النافعة والمعارف المفيدة لنفسه ولبني وطنه بل وللإنسانية جميعاً، هذه الصلة بالله ودينه، هي التي تصبغ الإنسان بصبغة الأخلاق الإنسانية الحسنة، وتطبع في مرآة النفس السجايا الجميلة، والمناقب المثالية الكاملة.
أيها الأخوة:
ولما كان الإيمان بالله رأس الدين وأسه، وحياته وعماده، ولما كانت روح الإيمان في قلب الإنسان لا تتحقق إلا بمحبة المؤمن لربه وخالقه وفي معرفته المعرفة اللائقة، التي توجب طاعة المحب لمحبوبه والتي تلزم الإنسان المخلوق، امتثال أوامر الله الخالق القادر.
لما كانت حقيقة الإيمان بالله ما ذكر، وجب على الإنسان العناية بإيمانه وحسن الرعاية لقلبه، بكثرة ذكره لله ودوام إقباله عليه، مع صحبة مرب مرشد عليم، عارف بالله، ذاق حلاوة الإيمان وطعمه.
إن حسن رعاية المؤمن لقلبه بكثرة ذكره لله مع صحبة المرشد الحكيم، العارف بربه، هي التي تثمر الإيمان الحي، والدين القويم المتين، وذلك الإيمان الحي الذي يتفرع عنه كل عمل إنساني جليل ويتشعب منه ويترشح كل خلق رباني كريم ويجعل الإنسان المتدين، مسارعاً بغير اختياره إلى ارتشاف رحيق العلوم والمعارف، المفيدة له وللمجتمع، سواء كانت تلك العلوم دنيوية أو أخروية.
إن الإيمان الحي والتدين الحق، الناشيء عن الثقافة والعلم والتربية الروحية الصحيحة هو الذي يثمر في النفس فضائلها، ويبعث في الروح كمالها ويحقق للأمة وللإنسانية أمانيها وآمالها وما تبتغيه من سلم وأمان، وتعاون وتساعد، ورحمة وعدالة وإنصاف.
هذا هو التدين الحقيقي والإيمان الحي أيها الأخوة الذي جاءت بهديه الأنبياء وسعد به المؤمنون الأتقياء، في كل عصر وكل زمن، وهو الذي رفع العرب الأولين، وجعلهم سادة الدنيا وأساتذة العالم.
الإيمان الحي والتدين الحقيقي، هو ما أشار إلى بعض ثمراته النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم حيث يقول {خصال ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان، الأولى: {الإنفاق في الاقتار} تنفق المال وأنت مقل غير مكثر ـ تنفقه في ميادين البر والرحمة وعلى الفقراء والمساكين، غير هياب من فقر ولا فاقه، بل تنفق وأنت حسن الظن بالله بأن سيخلف عليك ولا يتخلى عنك ـ والثانية ـ {إنصاف الناس من نفسك} بأن تؤدي الحق إلى صاحبه من غير أن تلجئه إلى قاض أو حاكم ـ والثالثة {بذل السلام للعالم} ـ البزار والطبراني عن عمار بن ياسر ـ
أخوتي وأخواتي:
هل رأيتم بعض ثمرات الإيمان الحي والتدين الحقيقي الصحيح، هل تمعنتم ودققتم في كلمة {إنصاف الناس من نفسك} وكلمة {بذل السلام للعالم} حيث نشاهد ونرى إن الدين لم يطلب من المتدين الحقيقي، إن يخصص أنصافه وعدالته وسلامه للمؤمنين والمتدينين فحسب، بل نرى الدين قد جعل من علامات التدين الحقيقي، ومن إمارات الإيمان الحي بذل السلام للعالم كله والإنصاف من نفسك، للناس أجمع وإن يسلم الناس كلهم من لسانك ويدك، من غير تفريق بين مسلم ومسيحي وكافر ومؤمن ومواطن وغيره وأبيض وأسود.
فإذا كان التدين الحقيقي والإيمان الواقعي هو هذا، أفليس الدين والإيمان هو المنزلة العليا والدرجة الرفيعة، المثالية للعدالة والرحمة الإنسانية بأوفى معانيها، وأوسع ميادينها؟ أليس الدين ببعض ثمراته هذه {إن تنصف الناس من نفسك} فلا تلجئهم إلى محكمة وقاض {وإن تبذل السلام للعالم} فلا ظلم ولا استعمار ولا نهب ولا سلب، أليس الدين ببعض معانيه وشعبه هذه؟ هو ما تتوق إلى تحقيقه الأمم ودول العالم كلها المختلفة والمسماة بهيئة الأمم ومجلس الأمن؟
أيها الأخوة:
إن التدين اللفظي والتدين باللباس والشكل والانتساب لدين سيدنا محمد وعيسى وموسى صلوات الله وسلامه عليهم مع فقد أو نقص للثقافة والتربية الدينية الصحيحة، أو إيمان ببعض ما يحلو لذلك الإنسان وكفر بالبعض الآخر إذا لم يتفق مع مصالحه وأهوائه، إن هذا لتدين مريض، وإيمان ميت يجعل صاحبه مغروراً وبربه كفوراً، ولدينه نكوراً يسيء هذا الإنسان بدينه المريض وإيمانه المحتضر، إلى نفسه وإلى مجتمعه وإلى دين الله وشريعته.
أيها الأخوة:
إن الدين الحق والإيمان الحي، هو ما نقل صاحبه، من ضعف إلى قوة ومن جهالة إلى علم، ومن فقر إلى غنى، ومن فرقة إلى وحدة، ومن ذل إلى عزة وكرامة وبكلمة مختصرة الدين الحق هو ما ضمن للإنسان سعادته في عالم الأرض وعالم السماء، يشير إلى بعض هذه المعاني ويدل عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم {لا يكون المؤمن مؤمناً ولا يستكمل الإيمان، حتى يكون فيه ثلاث خصال: اقتباس العلم، والصبر على المصائب، وترفق واقتصاد في الإنفاق والمعاش} ـ أبو نعيم عن علي ـ وقوله أيضاً {ليس بمؤمن مستكمل الإيمان من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة، قالوا وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال لأن البلاء لا يتبعه إلا الرخاء وكذلك، الرخاء لا يتبعه إلا البلاء والمصيبة} ـ الطبراني عن ابن عباس ـ
أيها الأخوة:
ها نحن نرى في الحديث النبوي الشريف أن من خصائص الإيمان الحي وخصاله في المتدين الحق العلم والثقافة، وإرادة فولاذية وعزماً لا ينثني، ونفساً كالجبل الأصم أمام الشدائد والزلازل، وتجاه الكوارث والمصائب، ونجد في الإيمان الحي رفقاً في الصرف واقتصاداً في الإنفاق فلا إسراف ولا تبذير ولا بخل ولا تقتير ونرى الإيمان الحي يعد ويعتبر الثروة والجاه والجمال والسلطان فحصاً وامتحاناً وينبهنا إننا تحت مراقبة الله وسمعه وبصره، وإن أعمالنا مسجلة علينا وإننا مجزيون بها، فحينئذ لا أشر ولا بطر، ولا بغي ولا ظلم، ولا غرور ولا غفلة وحينئذ تسلم وتدوم النعم.
(لَئِنْ شَكَرتُمْ لأَزِيْدنَّكُم وَلَئِنْ كَفَرْتُم إنَّ عَذابي لَشديدٌ) ـ إبراهيم: الآية 7 ـ
أيها الأخوة:
هذه بعض صفات الإيمان الحي والتدين الصادق وإلى الحديث القادم والسلام.