الإسلام في حياة عمر
الإسلام في حياة عمر

يرجع عمر إلى نفسه موبخاً ومؤنباً قائلاً: يا عمر كنت وضيعاً فرفعك الله، وكنت ضالاً فهداك الله، وكنت ذليلاً فأعزك الله، ثم حملك على رقاب الناس، أتضرب رجلاً مستنصراً بك على ظالمه، ماذا تقول لربك غداً إذا أتيته؟ هذه عروبتنا وهذا إسلامنا، فهل وجدتم مبدأ وعقيدة أفضل...؟

1961-09-13

قال الأحنف بن قيس: ما كذبت إلا مرة واحدة، قالوا وكيف ذلك يا أبا بحر؟ قال: وفدنا مرة على عمر بن الخطاب بفتح عظيم، فلما دنونا من المدينة قال بعضنا لبعض: لو ألقينا ثياب سفرنا ولبسنا ثيابب تجملنا وصوننا فدخلنا على أمير المؤمنين، وعلى المسلمين في هيئة حسنة، لو فعلنا ذلك لكان أمثل بنا وأجمل، قال الأحنف: فخلعنا ثياب سفرنا الوسخة، ولبسنا ثياب الزينة والجمال، فما ظهرت لنا مدينة الرسول الكريم، حتى لقينا رجل فقال: (انظروا إلى هؤلاء، أصحاب دنيا ورب الكعبة).
قال الأحنف: وكنت رجلاً ينفعني رأيي، فعلمت أن ذلك ليس بموافق القوم، فعدلت إلى ناحية من الطريق، فخلعت عن بدني الثياب الجديدة الجميلة، وأعدت لبس ثياب سفري الخشنة الخلقة، ثم ركبت راحلتي ولحقت بأصحابي، فدخلنا على عمر، فلما رآنا أعرض عن أصحابي المتزينين بالثياب الجميلة الجديدة، ونبت عيناه عنهم، ووقعت عينه علي، فأقبل علي يسألني، أين نزلتم؟ قلت: في مكان كذا وكذا، فقال: أرني يدك، فقام معنا إلى مناخ ركابنا، فجعل يتخللها ببصره، ثم قال: {ألا أتقيتم الله في ركابكم هذه؟ أما علمتم أن لها عليكم حقاً؟ إلا قصدتم ورفقتم بها في المسير؟ إلا حللتم عنها احمالها حتى تأكل من نبات الأرض؟ فقلنا يا أمير المؤمنين: إنا قدمنا بفتح عظيم، فأحببنا أن نسرع إلى أمير المؤمنين، وإلى المسلمين بما يسرهم قال الأحنف: فحانت من عمر التفاته، فرأى أغراض سفري وثيابي، قال: لمن هذه الأغراض؟ قلت لي يا أمير المؤمنين، قال فما هذا الثوب؟ قلت: ردائي، قال بكم اشتريته؟ فأخبرته بعد أن القيت ثلثي ثمنه، فقال إن ثوبك هذا لحسن، لولا كثرة ثمنه، قال الأحنف: ثم انطلق أمير المؤمنين عمر راجعاً ونحن معه، فلقيه رجل فقال: يا أمير المؤمنين انطلق معي، فأعني وانصرني على فلان فإنه قد ظلمني وجار علي.
قال الأحنف: فرفع عمر درته التي كانت يؤدب بها الناس، فضرب بها على رأس الرجل وقال: تدعون أمير المؤمنين وهو فارغ، حتى إذا شغل في أمر من أمور المسلمين أتيتموه قائلين، أعذني، أجرني، أنصرني فانصرف الرجل وهو مغضب يتذمر، فقال عمر {ردوا علي الرجل، فألقى إليه درته التي ضربه بها، وقال له امتثل ما أقوله لك؛ واقتص لنفسك مني بما ضربتك وآذيتك فقال الرجل لا والله لا أفعل، ومعاذ الله أن أقاصصك يا أمير المؤمنين، ولكن ادعها لله ثم لك، قال عمر: ليس هكذا العفو إما أن تدعها لله إرادة ما عنده من الثواب والآجر، أو تدعها لي فأعلم ذلك، قال الرجل: بل ادعها لله، قال الأحنف فانصرف عمر حتى دخل منـزلة ونحن معه فافتتح الصلاة وصلى ركعتين، وجلس ثم صار يخاطب نفسه قائلاً: يا عمر كنت وضيعاً فرفعك الله، وكنت ضالاً فهداك الله، وكنت ذليلاً فأعزك الله ثم حملك الله على رقاب الناس، فجاءك رجل يستنصر بك على ظالمه فضربته؟ يا عمر، ما تقول لربك غدا إذا أتيته؟ قال الأحنف: فجعل عمر يعاتب نفسه في ذلك معاتبة، ظننا أنه من خير أهل الأرض.
{ أيها الأخوة }:
هذه قصة قصيرة فيها عبرة بالغة، وتصوير بارع دقيق يكشف لنا عن نفسية آبائنا العرب، عن نفسية قادتهم وزعمائهم، وما انطوت عليه من أخلاق مثالية رائعة، وصفات إنسانية ووطنية كاملة في ظلال تربية القرآن والإسلام، وإذا كانت هذه أخلاق القادة والسادة، أفليست أخلاق الشعب ومناقب أفراده وشمائلهم عندئذ رشحة من أخلاق أمرائهم ونسخة عنها؟ ولقد نطقت بذلك الآثار والحكم حيث تقول: {الناس على أديان ملوكهم}.
{ أيها الأخوة }:
هذه قصة قصيرة تصور لنا كيف كانت أخلاق المجتمع العربي الرفيعة، وشمائله الإنسانية الكاملة، التي أوجدتها في نفوس العرب، التربية الإسلامية الصحيحة، القائمة على دراسة القرآن الدراسة الواعية، والمستمدة من إشراف المربي الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ترويضه للنفوس، وتزكيته للأرواح، حتى جعلت الشخص العربي، يقول بكل فخر واعتزاز: {ما كذبت بعد الإسلام إلا مرة واحدة}.
{ أيها الأخوة }:
نجد في هذه القصة الصغيرة مرآة تعكس لنا انطباعات الإسلام العملي في نفوس الأمة والمجتمع العربي، ذلك المجتمع الذي جعل الإسلام كل أفراده، يرون أن قيمة الإنسان بالأعمال الصالحة، والفعال الحميدة المفيدة، والخصال الشريفة النافعة، لا بالثياب المزركشة والخرق الملونة، أو الترف والاسترسال وراء التزين الشكلي والتحلي الصوري، ألا وإن أصدق دليل على ذلك هو رُقي رجل الشارع آنذاك، وقوله وقد رآى زينة الوفد {أصحاب دنيا ورب الكعبة}.
{ أيها الأخوة }:
هذه القصة الصغيرة تنقل إلينا عظيم تأثير ثقافة الإسلام، في المجتمع العربي الأول، تلك التربية والثقافة التي بدأ تخطيطها من صيانة حقوق الأفراد والمجتمع حتى الحيوان وما يلزمه من عناية ورفق، فها نحن نرى عمر أمير المؤمنين، يقوم بنفسه إلى مراح الدواب ومباركها يتفقدها، يتفقد طعامها وشرابها حتى إذا رأى الدواب لم تأخذ قسطها من الراحة والعلف، أعلن انتصاره لحقوق الحيوان، وغضبه من إهماله قائلاً: {ألا اتقيتم الله في ركابكم هذه! أما علمتم أن لها عليكم حقا؟ ألا رفقتم بها في المسير؟ ألا حللتم عنها أحمالها، حتى تأكل من نبات الأرض؟!}.
أيها الأخوة :
قصة قصيرة تبين لنا مقدار كرامة الشعب والأمة، كرامة الشخص والفرد، وقدسية حقه في نظر الحكومة الإسلامية، ورئيس دولتها.
قصة قصيرة في ظلال الإسلام والقرآن، تبين لنا مدى احترام القانون وتعميم تنفيذه، وتبين لنا كيفية شمول تطبيقه على الخاص والعام من غير تمييز بين حاكم ومحكوم، ولا تفريق بين غني وفقير، فها نحن نرى في قصتنا العمرية، نرى رئيس الدولة عمر قاهر كسرى وقيصر يحمله اجتهاده على تأديب شخص من رعيته، فيضربه على رأسه، ثم يتبين لأمير المؤمنين أنه أخطأ وجار في حكمه، فلا يمنعه شيء دون أن يعلن ويعترف أنه قد أخطأ، ثم لا يقف عمر عند حد الاعتراف بالخطأ، حتى يتجاوزه إلى الرجوع عن الخطأ، وإلى التفكير عنه، وأي رجوع هو؟ وأي تكفير؟ يقول عمر للرجل وقد ناوله درته التي ضرب بها رأسه: {أيها الرجل امتثل ما أقوله لك، واقتص لنفسك مني، بما ضربتك وآذيتك}. فيقول الرجل محترماً مكرماً للحكم الأبوي الرحيم {معاذ الله أن أقاصصك} فيرجع عمر إلى نفسه موبخاً لها ومؤنباً {يا عمر كنت وضيعاً فرفعك الله، وكنت ضالاً وذليلاً فهداك وأعزك الله، تضرب رجلاً مستنصراً بك على ظالمه، ما تقول لربك غداً إذا أتيته؟}.
أيها العرب ، أيها المسلمون:
هذا إسلامنا وهذه عروبتنا، وهذا قصصنا وهذا أدبنا، فبالله عليكم هل وجدتم مبدأ وعقيدة ورسالة أفضل من هذا وأكرم؟ والسلام.