أمانة النيابة
أمانة النيابة

الوكيل الأمين المشكور من الله والناس، هو من رعى الأمانة حق رعايتها وكان على صلة دائمة حسنة مع كل من وكله وائتمنه. يرى نفسه أجيراً للشعب لا أميراً، ومحكوماً لمصلحة الأمة لا حاكماً، والسلطان العادل المتواضع ظل الله ورمحه في الأرض.

1961-12-06

أيها الأخوة:
انتهت الانتخابات، وسجلت عند الله والناس، وبقي على الناجحين الدعايات والبيانات، وأقبل الناس على الفائزين يهنئونهم ويباركون نجاحهم، ولعله إذا ذكر بين الناس الناجح السباق إلى قبة البرلمان، أو ذو الغنى والثروة والحكم والسلطان، إذا ذكر عند بعض الناس أحد هؤلاء، قالوا لولا رضاء الله على فلان ومحبته له، وعنايته به لما أتاه الله ما أتاه، من نعمة المال والنجاح، أو التوفيق والفلاح.
أيها الأخوة:
هذه منـزلة الإنسان الذي يؤتي نعمة من نعم الدنيا، في نظر كثير من الناس وفي قواميسهم، أما نظرية القرآن، إلى منـزلة من أوتي نعمة من نعم الدنيا، فإنها تخالف نظرية أولئك الناس، كل المخالفة، وتباينها تمام المباينة، إن قاموس القرآن لا ينظر نظرة الرضا إلى من أوتي الذهب والفضة، والمزارع والأطيان، أو الحكم والمنـزلة الرفيعة، إلا إذا مزج الإنسان نعمة الله وأعطيته، بمراقبة ربه وتقواه.
أيها الأخوة:
إن قاموس القرآن، لا يسمح لمن استودعت عنده هذه النعم، وائتمن عليها، لا يسمح له بإظهار الفرح والسرور بها، أو قبول التهنئة عليها إلا إذا استعملها وسيلة لاكتساب مرضاة الله والفوز بالدار الآخرة، قال النبي الكريم: {ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا، جائعة عارية يوم القيامة، ألا يا رب مكرم لنفسه هو لها مهين، ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم، ألا يا رب لذة ساعة، أورثت حزناً طويلاً} ـ رواه ابن أبي الدنيا عن ابن بجير ـ
أيها الأخوة:
إن نعم الدنيا وتمتع الإنسان بلذائذها لا يفرح بها عاقل، ولا يطمئن إليها إلا غرير جاهل، وإن مع كل نعمة فريضة شكر واجب الأداء، وإن وراء كل منحة إلهية حساباً يسيراً أو حساباً شديد العناء.
أيها الأخوة:
إن نعم الله على الإنسان، إذا لم تشكر حق الشكر، وإذا لم تستعمل لنفع الخلق وإسداء المعونة إليهم، ولم يصحبها البعد عن كل بطر وأشر، والتنـزه عن الكبر والعجب، والترفع عن البخل والشح، فإن ضررها حينئذ يكون أكثر من نفعها، وخيرها يكون أقل من شرها.
أيها الأخوة:
إن ظفر الإنسان بشيء من نعم الدنيا ومتعها، ما هو في قاموس الحقيقة، إلا الفحص والاختبار، وإلا ابتلاء والامتحان، والعاقل إذا دخل غرفة الفحص والاختبار، فهل يستطيع أن يفرح ويغتبط؟ أم هل يمكن لأحد من أحبابه أن يهنئه أو يبارك له، إلا بعد نجاحه وفوزه في الفحص والاختبار، وإلا بعد أن يبذ أقرانه في حلبة الميدان والرهان، حينئذ وعند رجحان كفة الميزان، واستعمال النعم بما يرتضيه الرحمن، فهنالك التهنئة والتبريك، وهنالك الفرح والسرور والطمأنينة والأمان.
يقول الله تعالى:
(وَنَبْلُوكُم بالشِّرِ وَالخيْرِ فِتْنَةً ـ أي في حياتكم ودنياكم ـ وَإِليْنا ترْجَعونَ) أي للحساب والجزاء. ـ الأنبياء: الآية 35 ـ
ويقول الله تعالى:
(فأمَّا الإنْسانُ إذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ ـ أي فحصه واختبره ـ فأكْرَمهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبيْ أكْرَمَن، وأَمَّا إِذا مَا ابتَلاهُ فَقَدَرَ ـ أي فضيق وقتر ـ عَليْهِ رِزْقَهُ؛ فَيَقُولُ ربِّيْ أَهَانن، كلاَّ) ـ الفجر: الآية 15 ـ 17 ـ ومعنى كلاَّ هو الردع الشديد من الله للإنسان، والزجر له عن مقالته المحكية والتصحيح لفهمه الخاطئ في كلتا الحالتين، كأن الله يخاطب الإنسان قائلاً: لم أبتلك أيها الإنسان بالغنى لكرامتك علي، كما أني لم أبتلك بالفقر لهوانك علي، بل إنما هو الفحص في السراء، والاختبار في الضراء، كما أخبر الله تعالى عن قارون وثروته، وفرحه بما أوتي من مال وجاه قائلاً:
(إِن قارُونَ كانَ منْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيهم، وَآتيناهُ منَ الكُنوزِ، ما إِنَّ مَفَاتِحَهُ لتَنوءُ بالعُصْبَةِ أُولي القُوَّةِ ـ أي ما يعجز الرجال الأشداء عن حمل مفاتيح كنوزه ـ إِذْ قالَ لهُ قَومُه لا تَفْرَحْ إِنْ اللهَ لا يُحِبُّ الفَرحينَ، وابتغِ فيْما آتاكَ اللهُ الدارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نصِيبَكَ منَ الدُّنيا، وأَحسِنْ كمَا أحسَنَ اللهُ إليكَ وَلا تَبْغِ الفَسادَ فيْ الأرضِ، إِنَّ الله لا يُحِبُ المفْسديْنَ) إلى أن قال تعالى: (فَخرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتهِ، قالَ الذينَ يُريدُونَ الحياةَ الدُّنيا، يا ليْتَ لنا مِثْلَ مَا أُوتيَ قارُونُ، إِنَّه لذُو حَظٍ عَظيْمٍ، وَقالَ الَّذيْنَ أُوتوا العِلْمَ، وَيْلكُم ثَوابُ الله خَيرٌ لمنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالحاً، وَلا يُلَقّاها إلا الصابِرُونَ، فَخَسفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأَرْضَ، فَما كان لهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونهُ مِنْ دُونِ الله، ومَا كانَ مِنَ المنْتَصِرْينَ) ـ القصص: الآية 76 ـ 81 ـ
أيها الأخوة:
إن العمل لمصلحة الأمة، والنيابة عنها في سياستها وسلطانها وتشريعها، بما يكفل لها سعادتها وهناءها، في الدنيا والآخرة، إن هذا العمل له في الإسلام أعلى مكانة وأرفع منـزلة، في ميدان الأعمال الصالحة وفي منازل الإيمان والبر والتقوى، يعطي الله للنائب المؤمن العامل في الحقل السياسي والتشريعي، هذه المنـزلة الرفيعة، التي توجب لصاحبها السعادة، ورضى الله في الدنيا والآخرة، إن رعى النائب حقوق الله حق رعايتها، وإن هو وطن نفسه على نصرة ما أوجب الله نصرته، من تأييد دين الله والإيمان به، والعمل على تدعيم مكارم الأخلاق والسعي الحثيث لتقوية الأمة في كل الميادين.
أيها الأخوة:
إن النائب في المجلس التشريعي والتأسيسي، لتزداد ثقة الشعب به، وتقوى علاقته بأمته، إن تذكر ولم ينس، إنه نائب والشعب هو الأصل، إن تذكر أنه وكيل عن الأمة في رعاية مصالحها العامة، وفي تحقيق تشريعها الذي نزل من حكيم حميد.
أيها الأخوة:
الوكيل الأمين، المشكور من الله والناس، هو من رعى الأمانة حق رعايتها وكان على صلة دائمة حسنة مع من وكله وائتمنه، يرى نفسه أجيراً للشعب لا أميراً، ومحكوماً لمصلحة الأمة لا حاكماً وعاملاً على تحقيق محبوبات الله معرضاً عن أهوائه.
قدم مرة الأحنف بن قيس على عمر بن الخطاب في وفد من العراق، وكان اليوم صائفاً شديد الحر، ودخل القوم على عمرر فوجدوه يهنأ ويدهن بعيراً من إبل الصداقة، فقال عمر يا أحنف ضع ثيابك وهلم فأعن أمير المؤمنين على هذا البعير فإنه من إبل الصدقة، فيه حق اليتيم، والأرملة والمسكين، قال رجل يا أمير المؤمنين: {فهلاّ تأمر عبداً من عبيد بيت المال يكفيك هذا؟ فقال عمر، يا ابن فلانة، وأي عبد هو أعبد مني ومن الأحنف هذا؟ إن من ولي أمر الأمة، فهو عبد لها وأجير، يجب عليه لأمته، ما تجب على العبد لسيده، من النصيحة وأداء الأمانة في المداراة}، كما روي أيضاً أن عمر بن الخطاب كان في سفر فسمع صوت راع في جبل فعدلل عن الطريق حتى التقى بالراعي ثم قال له: أيها الراعي، إني مررت بمكان كذا، وهو أخصب من مكانك، وإن كان راع مسؤول عن رعيته، ثم عدل عمر صدور الدواب إلى الطريق وواصل سفره.
أيها الأخ الكريم:
يا مرشح الأمس ونائب اليوم، لا تنس وعودك وبياناتك، واعلم أن الله شهيد عليك والشعب رقيب عليك، ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره.
أيها النائب الكريم:
إن المكانة التي بوأك الله إياها، هي مكانة قدسية عالية رفيعة، مكانة السلطة التشريعية التي تتولد عنها السلطة التنفيذية: فكن في سلطانك هذا عادلاً مقسطاً، أميناً متواضعاً، لعلك تحظى ببشارة النبي صلى الله عليه وسلم بل وبتهنئته أيضاً، حيث يقول:
{السلطان العادل المتواضع ظل الله ورمحه في الأرض، يرفع للوالي العادل المتواضع، في كل يوم وليلة عمر ستين صديقاً، كلهم عابد مجتهد} ـ أبو الشيخ عن أبي بكر ـ.
إخوتنا ونوابنا الأكارم:
نسأل الله لكم التوفيق والعناية الإلهية، وإن يسدد الله خطاكم، فيما حملتم من أعباء الأمانة وحقوق الوكالة، وأن يلهمنا وإياكم الرشد والصواب، وأن يجعلكم ظافرين وناجحين، في فحص النيابة والبرلمان مكتسبين رضاء الله رضا أمتكم. والسلام.