أمانة الشهادة
أمانة الشهادة

الكذاب رقم (واحد) هو الذي يطبخ الكذبة ويختلقها ليكيد بها خصمه، فهذا خطره على المجتمع يسير، لأن كذبه وافتراءه يحتاج لإذاعته ونشره، إلى دواب تحملها وإلى صالات عرض تنشرها، ومشهيات، تجعل الأكاذيب شهية مقبولة. وهنا يأتي دور الكذاب رقم (اثنين) وهو الذي يحمل الكذبة فيهتك بها أعراض الأبرياء ويمزق بها شرف النبلاء.

1961-11-05

أيها الأخوة:
الإيمان بالله هو ما أوجب للمجتمع الأمن والأمان، والإسلام العملي هو الأداة الحقة لنشر السلم والسلام، ودين الله هو البرنامج الصحيح، ليعيش الإنسان في ظلال من السعادة والرحمة والهناء، والتدين الصادق، هو ما ضمن لصاحبه زيادة النعم، والنجاة في الأزمات والمحن.
أيها الأخوة:
إننا إذا أمعنا النظر في تاريخ الإنسان وحياته، فإننا لا نجد معاملة وحشية وبربرية، إلا حيث يفقد الدين الحق، ويحل محله الكفر والفسق، وإننا لا نشاهد ظلماً للنفوس، وبغياً على الضعفاء، وأذى للأبرياء، إلا حيث يوجد الفسق والنفاق ومعصية الله، حين ينسى الله فلا يذكر، حين تضلل تعاليمه ويطفأ نوره من بصيرة الإنسان، كما إننا لا نشهد رذيلة ولا معصية لله، إلا مقرونة بالتعاسة والشقوة، وانتقاص الثروة، وحلول المرض والفقر، مع فقد الثقة وضياع الكرامة.
فإذن نجد أن من البديهيات أنه حينما يخطئ الإنسان بمعرفة جوهر الدين وحقيقته، وحينما يتربى الإنسان عملياً وينشأ على تنفيذ أوامر الله في حياته اليومية، فالسعادة والهناء، والنجاح والعزة، تكون معه لا تفارقه كالظل مع الشخص، تتحرك بحركته وتسكن بسكونه.
أيها الأخوة:
إن النجاح التام، والظفر المؤكد في الحياة، للمؤمن بالله، الصادق المتبع لتعاليم الله، والعامل بوصاياه، هو ما نجده ملء صفحات الإنسان في تاريخه الزمني، البعيد والقريب، هذا الضمان للنجاح والظفر، هو ما أعطى الله للإنسان الميثاق والعهد الرباني عليه؛ حيث يقول:
(مَنْ عَمِلَ صَالِحاً منْ ذَكرٍ أو أُنْثَى وهوَ مُؤْمنٌ، فَلَنُحْيِيَنَّه حَياةً طَيّبَةً، ولَنجْزِينَّهم أجْرَهُم بأحْسنَ ما كانُوا يَعْملونَ) ـ النحل: الآية 97 ـ
وإني لأعرف أشخاصاً كثيرين، في مختلف الحرف والصناعات، والوظائف والأعمال الحكومية؛ أعرفهم مستمسكين بالدين والتقوى خلقاً وعملاً، وعبادة، وأراهم في الوقت نفسه، والنجاح والتوفيق والكرامة والثقة والإجلال والاحترام، تحيط بهم من بين أيديهم ومن خلفهم، هذا الجزاء والمثوبة من الله في الدنيا، مع ما أعد الله لهم من عظيم المثوبة والإحسان في الدار الآخرة، هو مصداق قوله تعالى:
(لِلذِّينَ أَحْسَنُوا في هذه الدُّنيا حَسَنَةٌ، ولدارُ الآخرةِ خَيْر. ولنِعمَ دارُ المتَّقين) ـ النحل: الآية 30 ـ
أيها الأخوة:
قريباً ستجري الانتخابات، ويتقدم المرشحون ببيانات ودعايات، ما أجلها وما أجملها إن رافقها الصدق والإخلاص، فيما ينوي المرشح حمله تحت قبة البرلمان! ما أعظم ذلك المرشح وأحبه إلى الله والشعب، إن كان يدفعه إلى ترشيح نفسه صدق في خدمة الشعب، وإخلاص في تحقيق قوانين عادلة مرضية لله، ما أجل ذلك المرشح إن داخل قلبه عزم أكيد، وإرادة صادقة، على نصرة دين الله، وإعلاء كلمته، والعمل على نصرة الفضيلة والأخلاق الكريمة، ومحاربة الرذيلة والإلحاد والإباحية، إن الترشيح للنيابة والعمل بها، على النحو المتقدم، لأن يسمى وينعت بأقدس الأسماء ونعوت الأعمال الصالحة، التي يثاب المؤمن عليها ويؤجر أولى وأحرى من أن يسمى الترشيح، ويوصف بأنه معركة، وأنه مغالبة ومنافسة.
أيها الأخوة:
إن مهمة المرشح ومسؤوليته عند الله عظيمة، وإن النيابة ثقيلة، وإن الحياة لفانية زائلة، وإن الآخرة لآتية باقية، وغداً وقريباً سيساق النائب إلى محكمة الله العادلة؛ فيسأل عن كل قانون وافق عليه، وعمل على سنه وتشريعه، كما أن الشخص الذي يعطي صوته لأي مرشح كان، لينتخبه ويقدمه ممثلاً عنه إلى البرلمان سيسأله الله عما أراده في انتخاب من انتخب، هل راعى حق الله في انتقائه وانتخابه، وهل لاحظ الصدق والعلم، واعتبر الأمانة والإخلاص، ومخافة الله ومراقبته، في مرشحه الذي ارتضاه لأن يكون نائب الأمة في برلمانها؟ سيسأل الله الناخب هل انتقى نائبه، بدافع من الهوى الشخصي، أو النفع المادي، أم انتخبه بدافع من ضمير حر، ووجدان صادق، وطلب لرضاء الله ومرضاته؟ كذلك سنسأل عنه جميعاً، أمام من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
أيها الأخوة:
ليحذر الناخب والناخبة من الدعايات الخبيثة، والأكاذيب الملفقة، وأخبار السوء، التي يروجها بعض صغار النفوس، ضعاف الدين والضمير، في حق منافسيهم ومن يريدون بهم كيداً وأذى، وظلماً وبغياً، إن نشر مثل هذه الأكاذيب والافتراءات، علاوة عن أنها تعرض صاحبها لملاحقة القانون الجزائي له، فإنها مع ذلك توجب له غضب الله ومقته، وعقابه وعذابه؛ بل وتعرض إيمانه الذي هو أسمى ما يملكه، تعرضه بسبب الكذب والإفك للأخطار والزلازل والمهلكات، يقول الله تعالى:
(إِنما يَفْتريْ الكَذِبَ الذينَ لا يُؤْمِنونَ بآياتِ الله) ـ النحل: الآية 105 ـ وهذا مصداق ما رواه أبو الدرداء، حيث قال: {يا رسول الله، هل يكذب المؤمن؟ قال: لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر من إذا حدث كذب} ـ الخطيب في المتفق عن أبي الدرداء ـ
أيها الأخوة:
هذا الوعيد والتهديد الرباني، للكذاب رقم واحد، الذي طبخ الكذبة واختلقها، ليكيد بها خصمه، وليأخذ بها منه ثأره، أو ليحقق بها لنفسه منفعة مادية حقيرة، هذا الكذاب المخترع رقم واحد مع أنه هو الذي طبخ الكذبة وأوجدها، خطره على المجتمع يسير، لأن كذبه وافتراءه يحتاج لإذاعته وإشاعته، إلى دواب تحمل الأفك، وإلى صالات عرض تعرض البهتان وإلى مشهيات وتوابل، تجعل الأكاذيب شهية مقبولة في آذان الناس، مهضومة في أفكارهم، وهنا يأتي دور الكذاب رقم اثنين؛ ذلك الذي يتلقف الكذبة من الكذاب رقم واحد، فيحملها على لسانه، ويستودعها صدره وفكره، ثم يقوم ببثها ونشرها بين الناس، يهتك بها أعراض الأبرياء، ويمزق بها شرف الشرفاء، ولعل هذا الكذاب (رقم اثنين) لا يحمل حقداً، ولا عداوة لمن ينشر عنه الأكاذيب، بل ولعله لا يريد به سوءاً ولا كيداً لو علم الحقيقة، حقيقة براءة المكذوب عليه مما نسب إليه، ولكنه سمع قائلاً يقول: فصدق قوله ثم رواه، صدق وروى إفك الكاذبين، ولم يصدق ولم يقبل قول رب العالمين حيث قال:
(يَا أيُها الَّّذين آمنُوا إِِنْ جاءَكم فاسِقٌ بنَبأ فَتَبَيّنُوا أنْ تُصيْبُوا قوماً بجهالةٍ، فتُصبحُوا على ما فعلْتُم نادِمين) ـ الحجرات: الآية 6 ـ صدَّق وروى الكذاب (رقم اثنين)، افتراء المفترين، ولم يصدق ولم يفهم قول رب العالمين:
(يا أيُها الذينَ آمنوا اجْتنِبُوا كثيراً مِنَ الظَّنِ إِنَّ بعضَ الظّنِ إِثمٌ) ـ الحجرات: الآية 12 ـ
قال علي كرم الله وجهه: {قائل كلمة الزور والكذب، والذي ينشرها ويمد في حبلها، هما في الإثم سواء}، وقال الإمام الشافعين: {ومن الكذب، الكذب الخفي، وهو عن يروي الإنسان خبراً، لا يعرف صدقه من كذبه}.
أيها الأخوة:
إن رواية قول الناس في بعضهم بعضاً، تعتبر شهادة، فإن أردت مستمعي الكريم، أن تتحمل الشهادة، فينبغي لك أن تكون مشاهداً لها متيقناً صحتها، تعلم حكم الله في نشرها أو كتمها؛ حتى لا تكتب عند الله شاهد زور، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {أرأيت الشمس في رابعة النهار، فعلى مثلها فاشهد، أو دع الشهادة} ـ البيهقي عن ابن عباس ـ
إخوتي الأكارم:
ليحذر كل منا دائماً، وبخاصة أيام الانتخابات، من الكذاب رقم واحد والكذاب رقم اثنين، حامل الكذب ومروجه لوجه الشيطان والهوى.
ليتمسك المؤمن بأخلاق الدين، وليهتد المتدين بوصايا الله، وليراقب ربه في كل تصرفاته، يعيش سعيداً؛ ويصل إلى أهدافه الشريفة ناجحاً حميداً، ويلقى ربه مأجوراً ومشكوراً والسلام.