أمانة الانتخابات
أمانة الانتخابات

ماذا أخذ هذا المشتري وماذا أعطى، وماذا باع واشترى؟ لقد باع دينه وإنسانيته واشترى غضب الله وسخطه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {خمس ليس لهن كفارة الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، وكذب عليه، والفرار من الزحف، ويمين يقتطع بها مالا بغير حق}. إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما يسمع.

1961-11-22

أيها الأخوة:
قربت الانتخابات، وبدأت الدعايات، وسيقوى التنافس والتسابق، إلى اكتساب قلوب الناخبين والناخبات، وسيزداد التنافس بين المرشحين، وأنصارهم، بعضهم مع بعض، والناس كل وقت وفي كل مناسبة، يوجد فيهم نوعان، كريم ولئيم، ورفيع ووضيع، وحامل نفس شريفة كبيرة، يترفع عن دنايا الأمور وسفاسفها، مثله مثل النحلة، إن أكلت أكلت طيباً، وإن توجهت في مسيرها، فإلى الحدائق وإلى الرياض، وإن تيممت مستراحاً فحيث الزهور والورود والرياحين.
أيها الأخوة:
كما إن هناك قلة من نفوس صغيرة، تحمل قلوباً مريضة، وميولاً وأهوية حقيرة، وأخلاقاً غير حميدة، هي كالحشرات الوضيعة، لا تلتقي غالباً إلا على المزابل والقمامات، ولا يلذ لها طعام وغذاء إلا من الجيف والميتات، مثل هذه النفوس كمثل الذباب، لا تجده ساقطاً إلا على الجرح أو دمل، أو كاليوم ولا يسكن إلا الأطلال والخرائب.
أيها الأخوة:
إن المرشحين للنيابة وأنصارهم، من أصحاب النفوس الكريمة الرزينة، إن قاموا بتعريف أنفسهم للناس، وإعلام الشعب بما سيعملون، في نطاق خدمة الأمة والوطن، فتراهم يلتزمون جادة الصدق والإخلاص، والصراحة والبيان الواضح، مع احترامهم للآخرين، وحفظهم لكرامة إخوانهم من المواطنين والمرشحين، فلا كذب عندهم ولا دس، ولا بهتان ولا إفك، ولا غيبة ولا إشاعة مغرضة، سيان عندهم نجاحهم، أو نجاح الآخرين من إخوانهم، بل إنا لنجد المواطن المؤمن الصالح، يفرح بنجاح أخيه، أكثر من نجاح نفسه، لأن المسؤولية الأمانة وثقلها، قد رفعت عنه، حيث حملها الآخرون.
وأما أصحاب النفوس الصغيرة، وحملة الأفكار الوضيعة في موسم الانتخابات، فنجدهم يسارعون إلى أسواق الإشاعات الكاذبة، يوزعون منها على ضفاف العقول، أو مرضى القلوب، بضائعهم القذرة، من غيبة وبهتان، ودس وافتراء، يقدم هؤلاء الباعة تجار الجملة، بضائعهم، لتجار المفرق وللمستهلكين السذج، لا مجاناً وبلا ثمن، بل إن المشترين يقدمون أفدح الإثمان، مقابل بضائع الإثم والعدوان، فماذا أخذ هذا المشتري وماذا أعطى، وماذا باع وماذا اشترى؟ لقد باع دينه وإنسانيته، واشترى غضب الله وسخطه، لقد اشترى رضى الشيطان والإثم والعدوان وباع دينه بدنيا غيره، استجابة لشهواته، وطاعة لهواه وشيطانه.
أيها الأخوة:
إن الدين حدد لنا مواصفات ونعوت بضائع هؤلاء الباعة، وبين لنا مكرهم وخساستهم حتى لا نقع في شركهم وشباكهم، فمما تروجه هذه القلة على أصحاب النفوس الصغيرة، في مثل هذه الأيام، الغيبة والإفك، والإشاعات المغرضة، أما الغيبة فقد عرفها النبي الكريم بقوله: {أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم: قال ذكر المؤمن أخاه بما يكره، قيل يا رسول الله: أرأيت إن كان في أخي ما أقوله؟ قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته} ـ الإمام أحمد ومسلم وأبو داوود والترمذي عن أبي هريرة ـ. والبهتان: هو أن تقول في حق أخيك المؤمن والمواطن أشياء مختلفة وأن تنسب إليه أوصافاً كاذبه ليست فيه وهو منها براء، لقد حرم الدين أشد التحريم، لما في ذلك من الظلم للبريء، والانتقاص من كرامته بغير حق، لقد شدد الإسلام في مسؤولية الدس والبهتان على الناس، حتى جعلها من التي لا كفارة لها، قال صلى الله عليه وسلم: {خمس ليس لهن كفارة، الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، والفرار من الزحف، ويمين يقتطع بها مالا بغير حق} ـ الإمام أحمد عن أبي هريرة ـ بل زاد الإسلام على ذلك فصرح بأن الكذب والإيمان، لا يجتمعان في قلب إنسان أبداً.
سئل النبي صلى الله عليه وسلم: {أيكذب المؤمن؟ فقال إنما يفتري الكذب الذي لا يؤمنون بآيات الله} ـ ابن عساكر عن أبي الدرداء ـ وقال أيضاً مهدداً ومتوعداً: الدساسين المفترين {من بهت مؤمناً أو مؤمنة، أو قال فيه ما ليس فيه، أقامه الله يوم القيامة على تل من النار، حتى يقضى بين الناس} ـ ابن النجار عن علي ـ.
أيها الأخوة:
وأما الإفك، فهو أن تقول في حق غيرك ما بلغك عنه من إشاعات وأقاويل، لا دليل على صحتها ولا برهان، فتروي هذه الإشاعات للناس وتقول في مجالسك، هكذا يقول الناس، وهكذا زعموا، وهكذا سمعت.
أيها الأخ الكريم:
إن كلمة زعموا وقالوا، هي مطية الكذب، في عرف الدين والإسلام بذلك وردت الأخبار وقال صلى الله عليه وسلم: {كفى بالمرء إثماً، أن يحدث بكل ما يسمع} ـ أبو الدرداء والحاكم عن أبي هريرة ـ وقال الله تعالى في حق الأفاكين:
(إنَّ الذينَ جاؤُوا بالإفكِ عُصْبَةٌ منْكُم، لا تَحْسَبوه شراً لكُم، بل هُوَ خيرٌ لكُمْ، لِكُل امرئٍ منهم ما اكْتسَبَ من الإثمِ، والذي تولَّى كِبَرَهُ منْهُم، لهُ عذابٌ عظيمٌ، لولا إِذْ سَمِعْتُموه، ظنَّ المؤْمِنونَ والمُؤْمِناتُ بأنْفُسِهم خيراً، وقالوا هذا إِفكٌ مبينٌ) ـ النور: الآية 1 ـ 12 ـ
أيها الأخ الكريم:
لا تحزن ولا يضيق صدرك من الإفك والأفاكين، فإن الله يقول لك ولأمثالك من الأبرياء الطاهرين: (لا تحسبوه شراً لكم، بل هو خير لكم)، نعم هو شر للأفاكين حيث أعد لهم ما أوعدهم به من مقته وعقابه، وخير لك أيها البريء النقي، لقد روي أن الإمام أبا حنيفة ـ رضي الله عنه ـ أنه رؤي بعد وفاته في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟ قال غفر لي، قيل له بأي شيء، أبعلمك، أم بعبادتك، أم بتعليمك للناس؟ قال لا: قيل فبأي شيء إذن؟ قال بقول الناس في ما ليس في.
أيها الأخوة:
وأما سوء الظن، فقد عرفه الفقهاء بقولهم: {هو ما تخيلت وقوعه من غيرك، من غير مستند يقيني لك عليه، وقد صمم عليه قلبك، أو تكلم به لسانك، من غير مسوغ شرعي} لقد أمرنا الله باجتناب الكثير من الظن، وعلل ذلك بأن بعض الظن إثم، قال صلى الله عليه وسلم: {إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث} ـ متفق عليه عن أبي هريرة ـ
أيها الأخ الكريم:
إن السكوت إمام المغتاب، وعدم دفاعك عمن تشاع عليه الأكاذيب والافتراءات، يعتبرك الإسلام، أنت والمغتاب والأفاك في الإثم والمسؤولية سواء، فإما أن تدافع عن عرض أخيك فتكسب الثواب والأجر وتنجو من المسؤولية والعقاب، قال النبي الكريم: {من اغتيب عنده أخوه فاستطاع نصرته، نصره الله في الدنيا والآخرة، وإن لم ينصره، أذله الله في الدنيا والآخرة} ـ ابن أبي الدنيا عن أنس ـ وأما إن تفارق ذلك المجالس الذي يؤكل فيه لحم أخيك ميتاً، هذا هو حكم الإسلام وحكم الله تعالى في حق من يغتاب مسلماً، ويفتري عليه الكذب والبهتان.
أيها الأخوة:
وهل تظنون أن الإسلام قصر دفاعه عن المسلم، وجعل حفظ الكرامة والشرف امتيازاً واحتكاراً للمسلمين، ولم يبال بشرف وكرامة غيرهم من المواطنين غير المسلمين؟ لا. لا. أيها الأخوة إن أحكام الإسلام ليست خاصة بالمسلمين، بل الإسلام رحمة للعالمين.
لقد نص الفقهاء على أن حرمة المواطن غير المسلم وكرامته محفوظة مصونة، فلا يجوز أيضاً أن ينتقص ويغتاب مواطن من إخواننا المسيحيين، أو أن يدس ويفتري عليه الكذب، فحفظ حرمة المسيحي وكرامته وعرضه في نظر الإسلام وصونها، كحفظ حرمة المسلم وكرامته وعرضه سواء بسواء، هذا هو الدين، وهو الإنسانية نفسها، فمن تجاوزها وتعداها، فالدين والإنسانية منه براء، قال صلى الله عليه وسلم: {من سمَّع يهودياً أو نصرانياً ما يؤذيه فله النار}.
وبعد، فيا أخي المؤمن، هذا هو الإسلام إذا أردت أن تكون مسلماً صادقاً، فاحذر شهراً قبل الانتخاب وشهراً بعده، من أن تكون لقمة سائغة، لتجار الشائعات المغرضة، من تجار الجملة أو تجار المفرق، أو تكون من المستهلكين السذج البسطاء، فتخسر دينك وإيمانك.
قال الشاعر:
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة أو كنت تدري فالمصيبة أعظم.