الخيانة والتآمر والقتل
الخيانة والتآمر والقتل

إن عرقاً ينبض بالعروبة والوطنية يأبى أشد الإباء أن يطاوع صاحبه على قتل عربي وإن نفساً فيها بصيص من نور الإيمان بالله لا تستطيع أن تريق ظلماً الدماء الزكية والأرواح البريئة.

1961-01-25

أيها الإخوة :

الغدر شيمة الحقراء. والخيانة أخلاق الجبناء الأخساء. والاغتيال من طباع من فقدوا الرجولة والشجاعة، وإتلاف أموال الأبرياء صناعة محترفي الحرام. الوضيعين اللئام، وسفك الدماء البريئة الطاهرة، وترويع النساء والأطفال، مناقب وسمات فاقدي الإيمان وأموات الضمير والوجدان.

أي لقمة حرام تلك اللقمة النجسة الملوثة، بدماء الأبرياء المأخوذة على حساب اليتامى والثكالى والأرامل، وأي أجر خسيس حقير يأخذه المتآمر الغادر على حساب إتلاف الأموال الكبيرة، والثروات الضخمة للمواطنين العرب المؤمنين الآمنين. وأي عزة وشرف ينالهما الأجير الوضيع العامل لحساب الصهاينة والمستعمرين.

إن عرقاً ينبض بالعروبة والوطنية، يأبى أشد الإباء أن يطاوع صاحبه على قتل عربي موان. وأن نفساً فيها ـ بصيص نور من الإيمان بالله ولقائه. مهما كان الإيمان خافتاً فيها أو ضئيلاً. لا تستطيع أن تريق بالظلم الدماء الزكية وتزهق بالعدوان الأرواح البريئة. خصوصاً إذا كان وراء العدوان والتآمر مصالح استعمارية ومؤامرات صهيونية.

أيها الإخوة:

إن من أفظع الكبائر وأعظم الجرائم عند الله قتل النفس البريئة بغير حق. لأن القاتل الظالم يخرج بجريمته الشنعاء، وفعلته النكراء من الإسلام وحظيرة الإيمان ولأن الدين الحق، هو ما باعد صاحبه عن الظلم والجور والإفساد والأذى للغير، فكيف بمن يدعي الإيمان والإسلام، إذا ارتكب من الظلم أشده. ومن الفساد أعظمه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أما بعد، فما بال المسلم يقتل المسلم؟ وهو يقول إني مسلم أبى الله علي فيمن يقتل مسلماً» رواه ابن ماجه عن عتبة بن مالك.

أيها الإخوة:

إن التوبة الصادقة تمحو الخطيئة وتغفر السيئة، إلا القتل. فإن القاتل المجرم، والمروع المفسد. يأبى الله عليه أن يقبل له توبة. أو يقبل له عذراً واعتذاراً. وقال صلى الله عليه وسلم : «نازلت ربي منازلة، في أن يجعل لقاتل المؤمن توبة، وأبى علي»الديلمي عن أنس.

أيها الإخوة:

هل تصور القاتل نفسه في مواقف القيامة. والمقتول المظلوم متعلق به، والملائكة تسوقه إلى الحساب بين يدي الله، ليلقى جزاءه الحق وقصاصه العادل وقد شمل السواد وجهه وملأ الرعب قلبه وقد غضب عليه الرحمن وتبرأ منه الشيطان، وقد فقد الشفيع. وتبرأ منه الصديق، كما نطق القرآن حيث يقول: {ما للظالمينَ من حميمٍ ولا شفيعٍ يُطاع يعلمُ خائنةَ الأعين وما تُخفي الصدُور} [المؤمن الآية: 17 ـ 18].

قال صلى الله عليه وسلم : «يأتي المقتول يوم القيامة متعلقاً رأسه بإحدى يديه متلبباً قاتله بيده الأخرى تشخب أوداجه دماً. حتى يأتي به تحت العرش فيقول المقتول: أي رب. سل هذا فيم قتلني، فيقول الله للقاتل، لقد شقيت وتعست، ثم يذهب إلى النار».

أيها الإخوة:

يشترك في جريمة القتل، وعظيم مسؤوليته الفرد والجماعة. قلت الفتنة أم كثرت؟ فالقصاص لجميع الشركاء والعذاب واجب لكل الفرقاء. بل لو شارك أحد في جريمة القتل بكلمة أو بعض كلمة فيعتبر في شريعة السماء قاتلاً مجرماً. وسفاكاً مفسداً، قال صلى الله عليه وسلم: «لو أن أهل السموات والأرض اشتركوا في دم مؤمن، لأكبهم الله في النار» رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب وقال أيضاً: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة، لقي الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله»رواه ابن ماجه.

أيها الإخوة:

هذا في القتل والقاتل إذا لم يكن هنالك واسطة وآمر، أما إذا كان هناك آمر بالقتل ودافع إليه، فإن حصة الآمر والمتآمر من عذاب الله أشد وأعظم أضعافاً مضاعفة من حصة القاتل المباشر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قسمت النار سبعين جزءاً فللآمر تسع وستون، وللقاتل جزء حسبه» رواه أحمد في مسنده عن رجل.

أيها الإخوة:

أما إذا أضيف إلى جريمة القتل والفساد تواطؤ مع الاستعمار، وتآمر مع الصهاينة الأشرار ليمثل القاتل والمتآمر أخس عميل وأرخص أجير وأحقر حليف مهين ذليل. فهذا فضلاً عن كونه خائناً لوطنه ولعروبته ناقداً لرجولته وشهامته. عادماً لإنسانيته وضميره، فإنه يعتبر في نظر الإسلام والقرآن كافراً غير مؤمن. وملحقاً صهيونياً، وأجيراً استعمارياً، يقول الله تعالى عن موالاة المستعمرين ومحالفة الكائدين الظالمين.

{ومَنْ يَتوّلَهُمْ فإنّهُ مِنْهم إن الله لا يَهْدي القومَ الظالمين} [المائدة الآية 54].

ويقول أيضاً:

{يا أيها الذّينَ آمنوا لا تتخِذوا عَدُوي وعَدَوّكُمْ أولياءَ تُلقونُ إليهمْ بالمودة وقَدْ كفروا بما جاءَكُم من الحَقِّ يُخرِجونَ الرسولَ وإيّاكم أنْ تُؤمِنوا بالله ربّكم إن كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً في سبيلي وابتِغاءَ مَرضاتي تُسرون إليهِمْ بالمَودة وأنا أعلمُ بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعَلْه منكم فقد ضلَّ سواء السبيل إِن يَثْقَفوكُمْ لَكم أعْداءً وَيَبْسُطوا إليكم أيديهم وألسِنَتَهُمْ بالسّوءِ ووَدُّوا لو تَكْفُرُونَ} [أول الممتحنة].

أيها العرب:

إن الاستعمار لا يستطيع أن ينفذ مكائده عندنا، إلا من طريق ضعف الإيمان بالله ولقائه، وإن الصهاينة هم أعجز وأضعف من أن ينالوا منا مأرباً أو يحققوا لأنفسهم منا مصلحة أو مقصداً، إلا عن طريق ضعف التربية الإيمانية، وجهل الثقافة الإسلامية، وكذلك الجراثيم المرضية، لا تستطيع أن تتغلب على الجسد وتفقده صحته وسلامته إلا عند ضعف الدم وضعف كرياته البيضاء. والسارق لا يستطيع أن يسرق الدار والبستان إلا عند فقد الحارس المغوار وتحطيم الأقفال القوية وتوهن الجدران المنيعة العالية.

أيها العرب:

التربية الدينية الحقة، والعقيدة الإيمانية الخالصة، هي ما عمرت، في قلب صاحبها، أمانة ونصيحة، وصدقاً وإخلاصاً، وعفة ونزاهة، في حق الوطن ومع الناس أجمعين أن الإيمان الحق هو ما يجنب صاحبه الغدر والخيانة، والجريمة والنذالة، وما ينزه صاحبه عن الغش والخديعة، وما يباعد معتنقه عن المطامع الخسيسة والمحارم. قال صلى الله عليه وسلم : «الإيمان عفة عن المطامع وعفة عن المحارم» أبو نعيم في الحلية، بلفظ أخصرالإيمان الحق هو ما يحصل صاحبه يؤثر القليل من الحلال على الكثير من الحرام. الإيمان الحق يحمل صاحبه على طلب رضاء الله تعالى غضب من غضب ورضي من رضي. إيماناً وتصديقاً يقول الرسول الكريم: «من أرضى الناس بسخط الله سخ الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عليه وأرضى عليه الناس» رواه الترمذي عن عائشة. إن الإيمان الحق، هو ما فتح قلب المؤمن وعينيه حتى يؤمن ويوقن أن طريق الاستقامة والصلاح. أنجح له وأعظم فائدة وثمرة من طريق الأذى والفساد. وقال الله تعالى:

{وقيلَ للذينَ اتَّقوْا ماذا أنْزَلَ ربُّكم قالوا خَيراً للذينَ أَحْسَنوا في هذه الدنيا حَسنةٌ ولدارُ الآخرةِ خيرٌ ولنعمَ دارُ المتقين} [النحل الآية: 30].