مسؤولية العلماء
مسؤولية العلماء

هل أتاكم نبأ علماء الدين وكيف تغلبوا على التتر؟ هل أتاكم نبأ المغول والتتر وقد اكتسحوا الصين والهند؟ لم يمض بضع سنين على فشل رجال السياسة والقادة العسكريين، حتى انتصر علماء الدين على ملوك التتر والمغول وأدخلوهم في دين الإسلام.

1961-07-04

أيها الأخوة:
إذا أظلمت الشوارع وفقدت نور مصابيحها الكهربائية وتخبط الناس في سيرهم فاصطدم هذا بهذا، فمن المسؤول عن ذلك؟ ومن المطالب بالتقصير وهذا الإهمال؟ أليس المسؤول عن ذلك هي مؤسسة النور والكهرباء.
وإذا كثر الذباب والبعوض في البلد، وعلا الغبار بسبب انتشار الأتربة وتراكم الأوساخ، فأزكم ذلك الغبار الأنوف، وأمرض الصدور، وأرمد العيون، أليست الصيحات تعلو؟ والاحتجاجات الصاخبة تزداد، على القائمين بشؤون البلدية وأمانة العاصمة؟
وإذا وجد الخلل في السيارة، أو حصل التوقف في سيرها أليس المسؤول عن إصلاحها وإهمال شأنها، سائقها القيم عليها؟
وهكذا المزارع مسؤول عن مزرعته، ومدير المعمل يتحمل تبعه تقصيره في شؤون معمله، وكل راع مسؤول عن رعيته.
(إخوتي وأخواتي) أليس العلم نوراً وحيا؟ والجهل موتاً وظلمات، فمن المسؤول المؤتمن عن خزائن العلم ومستودعاته، ونشرها بين الناس غير العلماء، الذين كرسوا حياتهم وأفنوا أعمارهم في طلب العلم وجمعه، وهل جمع العالم العلوم ليختزنها ويحبسها، حتى يأكلها عت النسيان وسوس الإهمال؟ بينما يموت الشعب جوعاً وسغبا من فقد غذائه العلمي ويقضي عطشا من ظمئه الإيماني والخلقي والاجتماعي.
أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول {العلم حياة الإسلام وعماد الإيمان} ـ أبو الشيخ عن ابن عباس ـ فما هي مسؤولية من ملك مادة حياة الإسلام، فكتمها ولم يدل عليها، ومنعها فلم ينشرها ولم يذعها، وائتمن عليها فلم يؤدها ولم يوصلها إلى أهلها؟ ما هي مسؤولية من جمع المواد الغذائية والمآكل المقوية الشهية، والفواكه اليانعة الجميلة، فكدسها بعضها على بعض وألقاها في المستوعات المظلمة، فلا يستطيع أن يراها أحد، وألقى على الأبواب الأقفال الكبيرة، فلا يمكن أن يصل إليها أحد حتى صارت عديمة الفائدة، ووجودها كعدمها، أليس خازن الأطعمة ومانعها، كالعالم الذي لا ينشر علمه على الناس، في وقت يتساقط الناس فيه هلكى من الجوع الفقهي وسوء التغذية العلمية، بل هناك ما هو أمر وأدهى، هنالك سحب مظلمة من الانحلال الأخلاقي والإيماني، الذي يبثه فينا الاستعمار الغربي والالحاد الشرقي، فمن المسؤول عن تبديد هذه السحب المظلمة الاستعمارية، وممن نسأل إضاءة النفوس بأنوار العلم والتربية الفاضلة، إلا من علمائنا الأفاضل الأعلام؟
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {إن مثل العلماء في الأرض، كمثل النجوم في السماء، يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم، أوشك أن تضل الهداة} ـ الإمام أحمد عن أنس ـ ويقول أيضاً (العلماء أمناء الله على خلقه) ـ القضاعي وابن عساكر عن أنس ـ وقال أيضاً (العلماء مصابيح في الأرض، وورثتي وورثة الأنبياء) ـ عن عدي بن علي ـ.
أيها الأخوة:
فأين العلماء الذين هم مصابيح الهدى في الأرض، والذين يملؤونها نوراً وهدى، وضياء وتقوى، وفضائل أعمال ومكارم أخلاق، أين العلماء الذين هم في نشر نور العلوم وتعميم ضياء الإيمان، كنجوم السماء، التي تحيط الأرض بضيائها وأنوارها، ولا تنقطع عن إرسال إشعاعها في ظلمات الليالي لحظة واحدة؟ أين ورثة الأنبياء الذين ورثوا عن سيدنا نوح صبره على تبليغ رسالة الله وتحمله إيذاء قومه له وإعراضهم عنه، قرابة ألف سنة؟ أين ورثة الأنبياء الذين ورثوا عن سيدنا إبراهيم شجاعته وصموده أمام النمرود، وتضحيته بالحياة، واستهانته بالموت في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه؟ أين ورثة الأنبياء الذين ورثوا عن سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه الذين ورثوا جهاده ونضاله، وصبره وحلمه ومشيه في الأسواق، وإلى النوادي والمجتمعات، معلنا منادياً بالدعوة إلى الله وإلى دينه القويم مقتحماً في ذلك الأخطار غير مبال بالهزء والاستنكار، ومهدداً بالقتل والاغتيال، ودائساً بقدميه على المغريات، من نساء فاتنات ومنصب ومال، لقد طلب إليه عمه التخفيف من حدة نشر دعوة الإسلام خوفاً عليه من الطغمة والكفرة اللئام فأجابه قائلاً: {والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أرجع عن تبليغ رسالة ربي ما رجعت حتى ينفصل رأسي عن كتفي} ـ رواه البيهقي عن ابن اسحاق ـ
إخوتي السادة العلماء:
هل أتاكم نبأ المغول والتتر، وقد اكتسحوا الصين والهند، والشرق الأوسط وتغلبوا على الخلافة في بغداد، بعد أن قتلوا الخليفة شر قتلة، ثم اقتحموا أوربا محطمين أمامهم كل عقبة تقف في وجه غزوتهم البربرية؟
ثم هل أتاكم نبأ علماء الدين وكيف تغلبوا على التتر والبرابرة والمغوليين بعد فشل رجال السياسة والقادة العسكريين، هل أتاكم نبأ هؤلاء العلماء حيث لم يمض بضع من سنين، حتى أدخلوا ملوك التتر والمغول وأمراءهم في دين المسلمين، وادخلوهم في عداد المؤمنين، وقد كانوا من قبل القتلة المتوحشين والطغاة المستعمرين؟ كل ذلك بفضل العلماء العاملين وإرشاد الهداة المخلصين، وإذا بالتتر الفاتحين، بل وبالمغول المستوطنين في بلادهم البعيدة يدخلون في دين الله أفواجاً فرحين مستبشرين، وهاشين باشين.
إخوتي العلماء:
لقد سبق ذكر قول النبي الكريم {العلماء أمناء الله على خلقه} ـ القضاعي وابن عساكر عن أنس ـ وهذه الأمانة، التي وضعها الله عندهم، إلا دين الله وشريعته، وإلا قرآنه ومكارم الأخلاق، وهل أداء الأمانة، إلا تعليمها للناس وبثها بينهم، ودعوة الخلق إليها، بالمنطق السليم، وبالخلق الكريم وبالإخلاص والإيمان المتين.
(هل أتى إخواني) نبأ ما رواه الصحابي الجليل ابزى الخزاعي حيث يقول (خطب النبي الكريم ذات يوم، فأثنى على طوائف من المسلمين خيرا ثم قال: ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ولا يعلمونهم ولا يفطنونهم، ولا يأمرونهم ولا ينهونهم، وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتفطنون؟ والله ليعلمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويفطنونهم ويأمرونهم وينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفطنون ويتفقهون أو لاعاجلنهم بالعقوبة في دار الدنيا، ثم نزل النبي الكريم عن منبره فدخل بيته، فقال قوم من تراه عنى بهؤلاء؟ فقالوا نراه عنى الأشعريين، هم قوم علماء فقهاء، ولهم جيران جفاة من أهل البوادي ذكرت قوماً بخير، وذكرتنا بشر فما لنا؟ فقال ليعلمن قوم جيرانهم وليفقهنهم وليفطننهم ولينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفطنون ويتفقهون، أو لأعاجلنهم بالعقوبة في دار الدنيا، فقالوا يا رسول الله، أنعاقب بطير غيرنا وتقصيره؟ فأعاد قوله عليهم، وأعادوا قولهم، أبطير غيرنا وإهماله؟ فأجابهم جوابه الأول، قالوا فامهلنا سنة، فأمهلهم سنة ليفقهوا جيرانهم وإخوانهم وليعلموهم ويفطنوهم، ـ رواه الطبراني عن بكير بن معروف عن علقمه عن ابزى ـ ثم قرأ النبي الكريم قوله تعالى:
(لُعِنَ الذينَ كَفَروا مِنْ بني إسرائيلَ على لسانِ داوودَ وَعيسى ابن مَرْيمَ ذلِكَ بِما عَصَوا وَكانُوا يَعْتدُونَ، كانوا لا يَتَنَاهَونَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلوهُ لبئسَ ما كانوا يَفْعلونَ) ـ
وبعد فهل أدركنا مسؤوليتنا حول نشر العلم وبث روح الإيمان ومكارم الأخلاق عند الله، وفي ضمائرنا وتجاه مجتمعنا؟ والسلام.