أسباب الهجرة
أسباب الهجرة

لم يكن هناك بد من الاصطدام بين الكفر والإيمان والجاهلية والإسلام، بين التربية المثالية والأخلاق والإيمان والتصميم، وبين الجهالة والكفر والزعامة والمال... فقرروا في دار الندوة. أن يهاجموا رسول الله بأسيافهم فيقتلوه.

1961-06-21

أيها الأخوة:

نزل الوحي الأمين على قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يحمله أمانة تبليغ رسالة السماء، رسالة العلم والإيمان ومكارم الأخلاق إلى العرب خاصة وإلى العالم كافة. نزلت هذه الرسالة السماوية على النبي الكريم تحمله العبء الكبير والعمل العظيم، عملية تحويل النفوس الجاهلة الجافية، إلى نفوس مؤمنة عالمة خيرة. عملية تحويل نفوس تستبيح قتل أولادها ووأد بناتها وتستحل أخذ الأبرياء الآمنين بجريرة القتلة المجرمين إلى نفوس تملؤها الرحمة وتغمرها العدالة والرأفة، لا على الصغار والأرحام فحسب ولكن على الإنسان والحيوان بل وحتى على الأعداء.

إن عملية تحويل الأرض البور القاحلة إلى أرض زراعية منتجة وعملية تحويل الخرائب إلى دور عامرة وقصور شاهقة ليست عملية يسيرة، إنما الأصعب من ذلك والأشق تحويل أمة بكاملها من بداوة إلى حضارة، وإلى العلم والعرفان بعد الجهالة والطغيان وإلى الإيمان بالله وأنبيائه والمثل العليا بعد عبادة الأوثان وطاعة الشيطان.

لقد استعان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بربه، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، وغرس الإيمان بالقلوب ولبى دعوته الفقراء والعبيد والمستضعفين ممن لا يؤبه لهم، وأعرض عن دينه ورسالته الزعماء والأغنياء والأقوياء وراحوا يعذبون المؤمنين من المستضعفين والنساء ويرمونهم بالمروق من الدين. دين الآباء والأجداد.

لبث النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه هؤلاء، يجتمعون معه للصلاة ولسماع دروس الإيمان والإسلام، يجتمعون مستخفين في دار الأرقم مدة طويلة، لا يستطيعون الجهر بعقيدتهم ودينهم ثم لما اطلع كفار قريش على إسلامهم بدؤوا يعذبونهم عذاباً وحشياً همجياً، ليردوهم عن دينهم وليفتنوهم، ولكن أنى لنفوس تذوقت حلاوة الإيمان وخالط قلوبها وعقولها نور القرآن والإسلام أن ترتد عن النور إلى الظلمات وعن نعيم العلم والإنسانية الكاملة إلى جحيم الفوضى والشرك والأخلاق الجاهلية.

لم يكن هناك بد من الاصطدام بين الكفر والإيمان والجاهلية والإسلام، المال والعدد والزعامة والرأي العام في جانب الكفر والجهالة، والإيمان والتصميم والتربية المثالية والأخلاق الفاضلة في جانب المسلمين، لقد عذب المسلمون العرب بأيدي الوثنيين العرب بشتى أنواع العذاب وأفظعه، بالضرب والجلد، وبالحبس والتجويع وبربط الأرجل إلى السقف والرأس مدلى إلى أسفل حيث دخان الزبل يملأ الأنف والصدر وتكاد أن تخرج منه الروح، وتعذيب بالقاء المؤمنين مكتوفين على أظهرهم، ووضع الصخور الثقيلة على صدورهم، في حرارة شمس مكة المحرقة، ليرجع المسلمون إلى الوثنية وعبادة الأحجار ووأد البنات وقتل الأطفال، دين العرب ودين جزيرة العرب حينذاك فيأبى المؤمنون الردة ويقولون أحد أحد، فرد صمد.

ها هم آل ياسر، عمار وأبوه ياسر، وأمه سمية وأخوه عبد الله، يعذبون بتحريق النار، ولا يطفئ النار في ظهورهم، إلا الشحم الذائب من أبدانهم، يمر النبي صلى الله عليه وسلم بهم فيشكون إليه حالهم وعذابهم فلا يجد لهم عزاء إلا قوله {اصبروا يا آل ياسير، فإن موعدكم الجنة} ـ ابن عساكر عن عثمان ـ وينزل الله في قرآنه:

(ألم أحَسِبَ الناسُ أنْ يُتْركوا أنْ يَقولوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونْ. وَلقَدْ فَتَنَّا الذينَ مِنْ قَبْلِهم. فَلَيَعْلَمَّنَ اللهُ الذينَ صَدَقُوا وَليَعْلَمن الكاذِبينَ) ـ سورة العنكبوت الآية 2 ـ 3 ـ وقال: (أم حَسِبْتُم أنْ تَدْخُلوا الجنّةَ وَلمّا يَأتِكُم مَثَلُ الذينَ خَلَوا مِنْ قَبْلِكُمْ. مَسَّتْهم البأسْاءُ وَالضراءُ وَزُلْزِلوا حتى يَقول الرسولُ وَالذين آمنوا مَعَهُ متى نَصْرُ اللهِ؟ ألا إنَ نَصْرَ اللهِ قريبٌ) ـ البقرة الآية 214 ـ.

لقد استشهد ياسر احراقاً بالنار، واستشهدت زوجته سمية تلك العجوز المؤمنة بعد تعذيبها، بضربة حربة أصابت قلبها، فصعدت روحها إلى السماء، حيث منازل الأبرار والشهداء، وقيل للنبي الكريم أن عمارا، لم يتحمل التعذيب بالنار، فارتد عن الإسلام إلى دين العرب وعبادة الأصنام فقال النبي الكريم، كلا، {إن عمارا ملئ إيماناً من مفرق رأسه إلى قدمه} ـ عمار خالط الله الإيمان ما بين قرنه إلى قدمه وخلط الإيمان بلحمه ودمه ـ لقد حار العرب الجاهليون بأمر النبي الكريم وصحابته المؤمنين، كلما ازداد الضغط والتعذيب على المسلمين، ازداد عددهم وقوي صبرهم واشتدت عزيمتهم، فلجأ كفار قريش إلى سلاح المقاطعة وتعاقدوا على أن لا يبايعوا النبي الكريم ولا المؤمنين به ولا يشاروهم ولا يزوجوهم ولا يتزجوا منهم، ويمنعوا كل معاملة معهم، كما شاع أيضاً أمر تدبير مؤامرة لاغتيال النبي الكريم وقتله فعند ذلك لجأ النبي الكريم إلى بعض وديان مكة وشعابها هو وأنصاره، فظلوا في ذلك الوادي محاصرين قرابة ثلاث سنين، لا بيع ولا شراء إنما كان يصلهم الطعام القليل تهريباً وخفية في ظلام الليل، ونزح المسلمون من مكة مهاجرين إلى الحبشة إلى أفريقيا، بُعداً من جحيم كفار قريش للنبي الكريم في الشعب والوادي، خرج النبي صلى الله عليه وسلم يبلغ دعوة ربه ورسالة الإسلام ويقول للعرب، إنكم إن آمنتم برسالتي وبالقرآن صرتم أسياد العالم وأساتذة المشرق والمغرب وصرتم ملوك الشام وفارس وستفتح لكم الهند ومصر والقسطنيطنة فكانوا يقابلون هذه البشرى إذا رأوا فقراء المسلمين وضعفائهم بقول بعضهم لبعض هزأ وسخرية أتاكم ملوك الأرض، وفاتحوا العراق والشام وفارس.

خرج النبي الكريم من حصاره وقد مضى عشر سنوات على نبوته وبعثته، وهو أشد ما يكون ثقة بوعد الله ونصرة دينه: فذهب إلى الطائف ليعرض الإسلام على أهلها فردوه أقبح رد، وأجابوه أسوأ جواب، وتعرض لوفود قبائل العرب، في مواسمهم وأسواقهم التجارية، فعرض عليهم الإسلام وطلب حمايتهم له حتى يبلغ رسالة ربه، فاستجاب لدعوته بعض أهل المدينة وبايعوه على نصرتهم له إذا هاجر إليهم، وعند ذلك أمر النبي المؤمنين، بالهجرة إلى المدينة المنورة، وصارت المدينة دار إيمان وسلام تؤوي كل مؤمن مهاجر إليها، وتنتظر القائد الأكبر والمعلم الأعظم لتتشرف به المدينة ولتصبح بهجرته إليها عاصمة الإسلام والمسلمين.

دخل كفار قريش دار ندوتهم للمشورة و تبادل الرأي . وقد رأوا تفاقم خطر الاسلام على أصنامهم ا لحجرية و الترابية ؛ وعلى عقائدهم الخرافية والجاهلية ؛خافو من الأسلام ان يزيل قبيلتهم وتقرقهم ؛ واستعمار الفرس و
الرومان لبلادهم فبعد تبادل الرأي لم يرتضوا السجن المؤبد للنبي الكريم . ورفضوا ايضاً ان يربط مستلقياً على ظهر جمل يطلق في الصحراء ليموت جوعاًوعطشاً. ولكن قرروا ان يهاجمه عشرون شابا من قبائل شتى .
يهاجموه بأسيافهم فيقتلوه .فلا يدري من قتله و حينئذ يضيع دمه وتدفع الدية الى ذويه من بني هاشم. وعند ذلك اذن الله لنبيه بالهجرة وأنزل عليه قوله تعالى :
(( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين )).