مكانة العلم في القرآن
مكانة العلم في القرآن

في ظل فهم قيمة العلم نبغ المسلمون في العلوم كلها وتتبعوا كتب المعارف فترجموها وزادوا في العلم حتى سبقوا علماء الدنيا وكانوا خير حلقة لحفظ العلوم وتوسيعها وعنهم أخذ علماء أوربا.

1961-02-08

أيها الإخوة:

قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أن موسى قام خطيباً في بين إسرائيل، فسئل أي الناس أعلم؟ قال: أنا. فعتب الله عليه، إذ لم يرد العلم إليه. فأوحى الله إليه، أن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك)) رواه الشيخان والترمذي وذكر القرآن الكريم قوله تعالى: }وإِذْ قالَ لفتَاهُ لا أبْرحُ حتى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَينِ أو أمضي حُقُباً{ [الكهف الآية: 61].

أي مجداً مجتهداً، ومسافراً ، طالباً الالتقاء بمن هو أعلم مني لازداد علماً وفهماً وإرشاداً. ولو استدام سفري عشرات السنين والأحقاب لا أبوح ولا أزال مسافراً في طلب العلم.

ثم لقي موسى ذلك العبد الصالح وهو الخضر، ورأى من عجائب علومه، وغرائب معارفه، ما شرحه القرآن وفصله.

وقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم معلماً ومرشداً:{وقُلْ رَبِّ زِدْني عِلماً} [طه الآية: 114].

وقال الله أيضاً، مرغباً في العلم وحاثاً على طلبه{يرْفعِ اللهُ الذينَ آمَنُوا مِنكمْ والذينَ أوتوا العلْمَ دَرجات} [المجادلة الآية: 11].

فهم النبي صلى الله عليه وسلم من وحي ربه إليه، قيمة العلم ومكانته، وأن به ارتقاء الإنسان وعظيم مكانته، وحث النبي على العلم ورغب فيه. ورفع من شأنه، كما نوه القرآن باستيراد العلم من الخارج إذا فقد من الداخل فقال الله تعالى{فلولا نَفرَ من كل فِرقةٍ مِنْهُم طائفةٌ لِيتَفَقَّهُوا في الدّينِ ولِينْذرُوا قَوْمَهُم إذا رَجَعُوا إليهم لَعَلّهم يَحْذَرون} .

كما أعلن النبي الكريم براءته من كل مسلم لا ينخرط في سلك العلم ولا يكون جندياً في جيشه الظافر المنتصر. فقال عليه السلام: «ليس مني إلا عالم أو متعلم» رواه الديلمي عن ابن عمر بل أعلن النبي العربي براءة الإنسانية من كل من يؤثر الجهل. ويزهد في العلم النافع والثقافة المفيدة.

كما اعتبر الإسلام الجاهل من فصيلة الحيوان الأعجم، قال صلى الله عليه وسلم: «الناس رجلان، عالم أو متعلم، ولا خير فيمن سواهما» رواه الشيخان والترمذي

أيها الإخوة:

ولئلا يفهم الناس أن المقصود من العلم هو علم الطهارة والصلاة. والعبادات والمناسك فقط. بل مقصود الدين في العلم، ما هو أهم من ذلك وأشمل. لئلا يفهم الناس ذلك، ذكر القرآن في سوره، علم النبات وطبقات الأرض، وعلم الأجنة والفلك، والسياسة والحرب، والاجتماع والمعاملات، في مثل قوله تعالى: {أَلمْ تَرَ أن الله أنْزَلَ من السماءِ ماءً فأخْرجنا به ثمراتٍ مخْتلفاً ألوانُها ومن الجبالِ جدَدٌ بيضٌ وحُمْرٌ مخْتلِفٌ ألوانُها وغرابيبُ سود ومن الناسِ والدّوابّ والأنعامِ مختلفٌ ألوانُه كذلك} [فاطر الآية: 27].

لقد أشار القرآن في هذه الآية، إلى أن من يدرس علوم الطبيعة والنبات (الجيولوجيا)، ومن يتبع سبب اختلاف ألوان حياة الناس، في إنتاجهم وأخلاقهم وتكوينهم، أشار القرآن إلى أن العليم بذلك، والمتفهم لأسرار ودقائق صنع الله، في اختلاف طبائع البشر والحيوان، أشار القرآن إليه أنه الجدير أن يكون من العلماء الفاهمين، العارفين المقربين إلى رب العالمين، أشار إلى ذلك القرآن بقوله تعالى:{إِنَّما يَخشى اللهَ من عبادِه العلماءُ} [فاطر الآية: 28].

ليدل على أن العلم بالكون وأسراره، لا يباعد عن الله والإيمان به، بل الأمر على العكس، فالعلم يجعل صاحبه يرتقي إلى أعلى ذرى الإيمان بالله والخشية له، عندما ينكشف للعالم العاقل، والمنصف المفكر، قواعد سير النجوم في أفلاكها، ودقة تركيب عظام البشرية في قواعدها، وغرائب تأليف أعصاب العين والأذن وبقية الأعضاء، واتصالها ببعضها، وعندما يرى العالم تلك العلبة الصغيرة، التي تمركز فيها مخ الإنسان وعقله يخرج منها علوم الطائرات والصواريخ المحلقة في السماء، والبواخر والغواصات الماخرة في عباب الماء، عندما يرى الإنسان علوم الكهرباء وتفتيت الذرة وغيرها، تخرج كلها من تلك العلبة وهي مخ الإنسان، عندما تنكشف للإنسان العالم، هذه العجائب والغرائب، لا يستطيع إلا أن يخضع ويخشع لعظمة الصانع الخالق، والمهندس المبدع.

أيها الإخوة:

لقد حث القرآن في آياته على تتبع علوم الكون كله، علويه وسفليه، أرضه وسمائه، واستنباط خفاياه وأسراره. قال الله تعالى:

{أوَلَم يَنظُروا في مَلَكوتِ السنوات والأَرضِ ومَا خَلَق اللهُ مِن شَيء} [يونس الآية: 101].

وقال:{ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربَّنا ما خلقْتَ هذا باطلاً سُبْحانك} [آل عمران الآية: 191].

ولقد فهم المؤمنون قيمة العلم الكوني وقدره، ووجوبه ومكانته في الإسلام فطفقوا يتتبعونه وينفرون إليه على طريقة موسى:{لا أبرحُ حتى أبْلُغَ مَجْمَع البحرينِ أو أمضيَ حُقُباً} [الكهف الآية: 61].

وفي ظل فهم قيمة العلم بحقيقته وفروعه (من القرآن) نبغ المسلمون في العلوم كلها وتتبعوا كتب المعارف فترجموها. حتى كان الخليفة المتوكل يعطي (حنين ابن إسحاق) أشهر المترجمين وزن ما يترجمه ذهباً. وترجم المسلمون العلوم واستوردوها من الخارج. ولم يقتصروا على الترجمة، بل تابعوا البحث والدراسة، وزادوا في العلم حتى بدوا علماء الدنيا، وتفوقوا على مؤلفي العلوم وواضعيها. وكان المسلمون خير حلقة لحفظ العلوم وتوسيعها بين القديم والحديث. ومنهم أخذ علماء أوربا وتلقوا العلوم فزادوا فيها ما وصلت إليه العلوم والمعارف في عصرنا الحديث. مما يشهد به فطاحل علماء الغرب المنصفون المحررون.

في ظل فهم المسلمين لحقيقة العلم وطلبه، خرج أبو بكر الرازي أول من عمل عملية إزالة الماء من العين. وظهر ابن سينا الذي كانت تدرس جامعتا (كمبردج، واكسفورد) كتابه الطبي (القانون) وغيرهما من مشاهير الأطباء كثيرون.

في ظل فهم القرآن والإسلام، اخترع جابر بن حيان علم الجبر، واستأثر دون العلماء كافة بأسرار الكيمياء، وفي ظل فهم القرآن والإسلام نبغ العرب، فكانوا أول بناة المراصد الفلكية في العالم، وأول صانعي التلسكوبات، في ظل دولة الإسلام، تمت المباحث الروحية والنفسية والفلسفية ومن علمائها ابن سينا والغزالي، وابن رشد والفارابي، وابن مسكويه وغيرهم. وفي ظل دولة الإسلام قامت فنون الهندسة المختلفة، وحاول المسلمون الطيران في السماء، وأولهم عباس بن فرناس.

في هذه الحضارة والعلوم، منشؤها تعليم القرآن وفهم الإسلام، الذي يأمر أهله باستعمال العقل والفكر في الاستدلال على وجود الله. ودراسة أنفسهم، ودراسة الظواهر الجوية والطبيعية، القرآن الكريم أول من ذكر للإنسان، أطوار تخلق الجنين، قبل أن يعرفها أي عالم في الأرض.

وبعد فيا (أيها الإخوة) رجوعاً إلى دراسة القرآن، وفهم الإسلام كما درسه المسلمون الأول، وكما فهمه المؤمنون السابقون، الذين قطفوا بفضل القرآن والإيمان. أشهى ثمرات السعادة والكرامة في الحياة، وحققوا للبشرية والإنسانية أسمى معاني العدالة الاجتماعية وأزالوا العداوة والفرقة بين الطبقات، وأرسوا في العالم قواعد السَّلَم والأمن عملياً، فأمن الناس في ظلال عدالة الإسلام على حياتهم وأموالهم وحقوقهم، من غير تفريق بين الأديان والألوان والعناصر، وكانوا بحق وجدارة خير أمة أخرجت للناس.