صوموا تصحوا
صوموا تصحوا

إن محمداً الذي جاء بهذا الدين كان خير طبيب وفق في إرشاده وعمله حيث كان يأمر بالوقاية قبل المرض وأن الشرهين يحقرن قبورهم بأسنانهم وأضراسهم.

1961-02-22

أيها الإخوة:

في بعض بلدان أوربا، وبعض بلدان الولايات المتحدة، توجد مصحات ومستشفيات، تعالج مرضاها وزبائنها لا على طريقة العقاقير الكيمياوية، ولا بواسطة الحقن والإبر الجلدية أو العضلية والوريدية.

بل إن هذه المشافي الحديثة تعالج نزلاءها ومرضاها، بشيئين خفيفين رخيصين (الصوم والرياضة).

إن النظرية التي يستند إليها أصحاب هذه المنشآت الصحية في (التطبيب بالصوم). هو أن الكثير من الأمراض والكثير من خطوط الوجه وتجعداته التي تشوه القسمات الحلوة في النساء والرجال. وإن الكثير من الشحم المتراكم واللحم المتهدل، والقوى المنهكة والنفوس المريضة. كل هذه العاهات والأمراض، تعزى إلى التخمة المتواصلة، والطعام الدسم المترف مصداق الحكمة المأثورة، المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء.

أيها الإخوة:

إن الجسم يحتاج إلى كمية معينة من الغذاء، فإذا تناول الإنسان ما يزيد على حاجته، حمل أعضاءه فرق طاقتها، وأتعب كبده وكليتيه، وأجهد قلبه، في سبيل إرواء الكتل الشحمية، إن العلاج في نظر مؤسسي مستشفيات الصوم، يرجع إلى وجوب تطهير الجسم من السموم، التي تشبعت بها الخلايا والأنسجة في الأمعاء والأحشاء. والتي تغلغلت في جميع أنحاء البدن بسبب النهم في الطعام وبسبب الجراثيم التي رافقت الطعام الغير نظيف، مما يستلزم تطهير الأنسجة من هذه السموم، المتراكمة طوال السنين.

إن الصوم وحده كاف في تطهير الجسد من جميع السمومات والرسوبات المضرة، كما وضح ذلك الدكتور (ادوارد بوي) الأميركي حيث يقول: (ما من داء ولا مرض، إلا وخارت قواه أمام الصوم ـ ولقد مضى علي زهاء ست وعشرين سنة، أعالج فيها المرضى بالإمساك عن الطعام، إلى أن ترجع إليهم شهيتهم الصادقة وصحتهم الكاملة).

وكان لشيخ الأطباء ابن سينا طريقة خاصة، يفرض فيها صوم ثلاثة أسابيع، في كثير من الحالات المرضية، كما استخدم الدكتور (آلان) الصوم في علاج مرض النقرس وكذا السكر.

ويقول الدكتور الأمريكي الشهير (كارلو) عن صيام رمضان وفائدته ما نصه: (إن الانقطاع عن الطعام مدة كل عام، واجب صحي وفريضة طبية سواء كان الصائم غنياً أو فقيراً. لأن الجراثيم ما دامت تجسد الطعام متوفراً في جسد الإنسان، فإنها تنمو وتتكاثر، ولكنها بالصوم تضعف وتذبل) ثم امتدح الدكتور الأمريكي (كارلو) دين الإسلام فقال: (إنه يعتبر أحكم الأديان، حيث فرض الصيام وفرض الصحة، ثم قال: إن محمداً الذي جاء بهذا الدين، كان خير طبيب وفق في إرشاده وعمله، حيث كان يأمر بالوقاية قبل المرض، وقد ظهر ذلك في صيام شهر رمضان، وفي صلاة التراويح في كل يوم من رمضان، حيث أن لهذه العملية الرياضية فائدة كبرى في هضم الطعام).

ثم يقول الطبيب الأمريكي (كارلو) إنه مرض مرضاً طال أمده، وعجز عن علاجه، وكان يلازمه طبيب مسلم في أمريكا فحرضه على الصيام. فصام معه شهر رمضان لا عن تدين. ولكن عن أمل في الصحة، ولا عن عبادة، ولكن رغبة في أن يشفى، فوجد أن صحته تحسنت كثيراً أثناء شهر رمضان، ولذلك فإنه إلى الآن يصوم في كل سنة شهراً، كما يصوم المسلمون رمضان كل عام.

أيها الإخوة:

إن الانقطاع عن الطعام والشراب، من الفجر إلى الغروب، تحترق بواسطته الفضلات المتولدة عن الطعام, وتجف السوائل الزائدة المتراكمة وبالصوم يجد الجهاز الهضمي راحة له. وتنشط الغدد الهاضمة، وتقوى فيها خاصة الإفراز، مع الزيادة في مقدارها، علاوة عن إتلاف الصيام للأنسجة الميتة التي لا نفع لها. ويقول الدكتور (ادور ديوي) الأمريكي. إن القلب يجد في الصوم نفعاً كبيراً. لأنه لا ينفق من قوته خلال عملية الصوم إلا خمسين بالمائة. بسبب أن الخلايا الضعيفة تندثر وتنقص ولا يبقى منها إلا ما كان قوياً سالماً، وأن الدم يتناقص تدريجياً ويخفف من عمل القلب أما مرور الدم وخلوه من المواد الغذائية ففيه راحة للقلب كبيرة. إلى أن قال: ولا يخفى ما يجري أثناء الصوم في الدورة الدموية، من نقاوة الغازات والحوامض وأشباهها من السموم التي كثيراً ما ينتعش القلب بنفاذها، فتجدد قواه ويدفع الدم بصورة أنقى وأصح.

أيها الإخوة:

ولكي تدركوا قيمة الصيام في عصرنا الحديث فما علينا إلا أن نتتبع ما كتبه عظماء الأطباء في العالم. وما اكتشفوا به من منافع الصوم المؤكدة ومن أنه الدواء الشافي لأكثر الأمراض التي تصيب الإنسان والحيوان ومن بين الكتب التي ألفت في عظيم فوائد الصوم. كتاب الصوم الشافي للدكتور (ديفة) وكتاب «التطبب بالصوم» للعالم الروسي الشهير (الكسي سوفورين) وكتاب «الطب الحديث يترسم خطى الإسلام». وكتاب «رمضان» للأستاذ سعيد العريان، وعشرات الكتب غيرها، كلها ألفت في الصوم وفوائده والاستشفاء به، حيث أسست المشافي والمصحات في أوربا وأمريكا للاستشفاء بالصوم والرياضة فقط.

أيها الإخوة:

إن الطب أعلن أن كثيراً من الناس الشرهين في الطعام، يحفرون قبورهم بأسنانهم وأضراسهم، أفلا نعجب بعد كل ما سبق من النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، القائل منذ أربعة عشر قرناً: «ما ملأ ابن آدمي وعاء شراً من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه»(رواه الترمذي وابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب، ألا نعجب من النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقبل هدية المقوقس ملك مصر حينذاك إلا الطبيب فيرده ويقول: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع».

ألا نعجب أيها الإخوة من الاتفاق العظيم والتحالف الكبير بن الإسلام والعلم الحديث، حيث كتب العصر الحديث تعنى بالطب الشافي (التطبب بالصوم) والنبي العربي الكريم يقول منذ أربعة عشر قرناً «صوموا تصحوا»أبو نعيم عن أبي هريرة.

أفلا يدلنا ما ذكر سابقاً أن بعض المقصود من الوقاية القرآنية في الصيام. هو الوقاية بالصوم من الأمراض والأسقام حيث يقول القرآن العظيم: {يا أيُّها الذين آمَنوا كُتِبَ عليكُم الصِّيامُ كَم كُتبَ على الذين من قَبلِكُم لَعلَّكُم تتّقون} [البقرة الآية: 182].

وبعد أ ليس المفطر في رمضان بغير عذر شرعي، يدل على نفسه بسوء سلوكه، على أنه جاهل وغير مثقف، وأنه أحمق وناقص التربية ومستهتر بأوامر الدولة، وخارج على آداب المجتمع، وفي النهاية لا هو عربي ولا أوربي، بل ولا أمريكي بل ولا يستحي ولا يخجل.