رمضان يتحدث
رمضان يتحدث

حدثنا يا رمضان عن ثمراتك وخيراتك عن الجياع والعراة وعن الأيتام والفقراء كيف كنت تقرر مصيرهم حدثنا ولا تخف.

1961-03-08

مرحباً بك يا شهر رمضان، يا شهر الرحمة والبركات، يا شهر الفضائل والخيرات، يا شهر الصحة والعافية، يا شهر الإنابة والتوبة.

مرحباً بك يا شهر الفقراء والمساكين، يا شهر الأيتام والأرامل يا شهر النور والإيمان.

حدثنا يا رمضان عن بعض ذكرياتك، فيما مضى من السنين والأعوام.

حدثنا يا رمضان عن ثمراتك وخيراتك، التي كان يجنيها المجتمع منك في سالف الأيام، حدثنا عن الجياع والعراة، ماذا كنت تفعل بهم؟ وعن الأيتام والفقراء كيف كنت تقرر مصيرهم؟ وعن المجرمين والجناة وعن الشاردين عن الهدى، والسالكين طريق الغواية والردى وعن الأغنياء، أصحاب الثروات الضخمة، وعن الملوك والخلفاء كيف كانوا يستقبلونك، وكيف كانوا يعرفون لك كرامتك وحقك، حدثنا يا رمضان ولا تخشى ولا تخف، فقد ذهب الاستعمار مولياً الأدبار.

أطرب أسماعنا بحديثك الممتع يا رمضان، فإنا لك سامعون، وللذيذ خطابك واعون ومنصتون.

قال رمضان، أيها الصائمون والعرب المؤمنون، لقد كان تاريخي الماضي عجيباً، وذكرياتي في القرون الخالية والأحقاب الغابرة كانت غريبة ومثيرة، لقد كان استقبال الناس لي مثالياً كريماً. كان الصائمون يفكرون بي قبل قدومي عليهم، ويستعدون للقائي قبل أيام من نزولي بفنائهم، فكان تارك الصلاة مثلاً يغتسل ويلبس ثيابه الطاهرة ويستقبلني بالتوبة والإنابة، وكان شارب الخمر من قبل حلول الصيام، يلقي الطاس ويكسر الكأس، ويتوب توبة نصوحاً إلى بارئ الناس، وكنت تجد الخليع الرقيع والمستهتر والماجن والفاسق المسترسل. متى دخل وقت الصيام، نزع عنه ثياب فسقه وفجوره وتنظف من أدرانه وشروره ومجونه، وانقلبت أوصافه، وتبدلت أخلاقه، وغسل بماء الندم ودمع العيون ذنوبه وأوزاره فأصبح للمساجد سفيراً، وبين حلقات العلم ومجالس الإيمان متنقلاً مسروراً، كالنحلة من زهرة إلى زهرة، تغذي جسمها من الرحيق المختوم، وتحيي روحها بالأريج العبق المنعش.

قلت يا شره رمضان، ويا شهر الخير والإيمان، لم لا تحدثنا عن الأغنياء وأصحاب الثروات، كيف كانوا يستقبلونك وكيف كنت تجدهم في رمضان، خصوصاً تجاه الفقراء، والمساكين والأرامل واليتامى والمعوزين.

فأجابني رمضان المبارك، تسألني عن الأغنياء، عن أصحاب الثروات وملوك المال؟ رحم الله أولئك الأغنياء الصالحين، وجعل أرواحهم في أعلى عليين ورزقهم الله في الآخرة، صحبة النبيين والمرسلين.

لا أحدثك يا أخي عن المساجد الضخمة التي بنوها، ولا عن مئات المدارس ودور العجزة والمياتم التي شادوها وأسسوها.

ولا عن الأطيان والعقارات التي أوقفوها ولا عن الخيرات التي حبسوها والتي بلغت يوماً من الأيام، تسعة أعشار العقارات والأملاك في أرض الشام، لا أحدثك عن ذلك فإن هذه الشؤون ليست من اختصاصي فلو رجعت إلى مثل (كتاب خطط الشام والدارس في تاريخ المدارس) لوجدت من هذه الأعمال الإنسانية الضخمة العجب العجاب، ولكي أحدثك يا أخي عما وجدته من أرباب الأموال والأغنياء في موسم الصيام فقط.

ثم استرسل شهر رمضان متحدثاً فقال: كنت إذا حللت بديار المؤمنين ونزلت بجوار الأغنياء الصائمين، ولو كنت مع يا أخي لوجدت «المدينة الفاضلة» التي تخيلها الفلاسفة لأبناء البشرية، لو كنت معي يا أخي لوجدت الإنسانية الكاملة تظلل بسحبها المدرارة، قلوب الأثرياء والأغنياء، فكنت لا أجد في الزمن الغابر إذا حللت بالناس. إلا تراحماً وتعاطفاً وإلا براً وتعاوناً، إلا خيراً وإحساناً، كنت أجد قلوب الأغنياء ممتلئة بالرحمة والإحسان، فياضة على الفقراء والمساكين يملئون أيديهم وجيوبهم ذهباً وفضة وبيوتهم طعاماً وغذاء، وصناديقهم وخزائنهم كسوة وثياباً، لو كنت معي يا أخي لوجدت الأغنياء غارقين في حساب الزكاة المفروضة، وأداء الصدقة الواجبة فتجد غنياً قد أعد ألف ليرة ذهبية زكاة ماله لينفقها في موسم الصيام وموسم البر والإحسان، وغيناً آخر قد أخرج الألوف من الليرات الذهبية، طهرة لماله، وتزكية لنفسه، وتجد التجار قد أعدوا مئات القطع من الأقمشة، لتصديرها من متاجرهم إلى بيوت الفقراء والمساكين، وذلك سوى أكياس الرز والسكر والقمح والبرغل وسوى صفائح الدبس والعسل. والزيت والسمن، التي تملا بها بيوت الفقراء والمعوزين، فكنت أنا رمضان وكل مشاهد معي لأحوال الناس، كنا نشهد ونرى، معاني الرحمة والبر والعطف والإحسان، تقرأ في وجوه الأغنياء وأصحاب الثراء. كما كنا نشهد معاني الحب والتقدير والإخلاص والاحترام تقرأ في وجوه الفقراء نحو إخوانهم الأغنياء، فكنت وأنا رمضان، ما أقول عن الصائمين في ذلك الزمان، إلا وكأنهم ملائكة كرام، ونفوس فاضلة قد غمرتها أخلاق الإيمان والإسلام، فكنت لا أرى إلا التعاطف والتراحم، والتآخي، والتعاون، والمسابقة إلى اكتساب قلوب الفقراء الأيتام، والمنافسة على إكرام البائسين والجائعين.

كنت وأنا رمضان المتحدث، أرى الأغنياء يجلسون على كراسي أمام دورهم وبيوتهم، مترصدين منتظرين، وعيونهم تجوب الشارع دورهم وبيوتهم، مترصدين منتظرين، وعيونهم تجوب الشارع يسرة ويمنة، حتى إذا ما وقعت عين أحدهم على فقير كادح، أو مسكين ومحتاج، كان كمثل الصيادين الذين حشوا بنادقهم ذخيرة وباروداً وأطلقوها دفعة واحدة رجاء اكتساب الصيد السمين. أو كالفرسان في ميدان السباق يضرب أحدهم جواده بسوطه. وترى صدوره فوق عنق جواده، وكأنه يريد أن يطير ليسابق نده ونظيره ليفوز بالجائزة ويربح المكافأة، هكذا كنت أجد الأغنياء مع الفقراء، لا يدخل الغني داره إلا ومعه خمسة. وهذا معه عشرة فقراء، وهذا أقل وهذا أكثر، يجلسهم الغني على مائدته التي أعد فيها ما لذ وطاب، يطعم الفقراء بيده، ويؤانسهم بلطفه وبشره ويجعل من نفسه خادمهم المتواضع.

فإذا انتهى الطعام والحلوى وشربوا القهوة، وضع الغني في يد الفقير ما تيسر من المال، ما يعادل في زمننا العشر والعشرين ليرة أو أكثر ، وخاطبه بأدبه الجم الرفيع. لا تؤاخذني يا أخي، لقد أتعبت أسنانك بهذا اللحم الطري والفخذة والبقلاوة وهذه أجرة أسنانك وتعبك.

أيها الإخوة:

فلما انتهى رمضان من حديثه الشيق، قلنا له زدنا فقال لقد انتهى الوقت وإلى صباح الأربعاء القادم والسلام.