رمضان يتحدث (2)
رمضان يتحدث (2)

قال رمضان: كنت لا أفارق الجاهلين إلا وقد هجروا الرذيلة ولا أفارق الناس حتى أشهد السعادة والرخاء والرفاهية وقد شملتهم وقضوا على البخل والشح وأجهزوا على الفقر والفاقة..؟

1961-03-15

أيها الإخوة:

لنستمع إلى رمضان يتمم لنا حديثه السابق ويجيبنا إلى ما نسأل.

قلنا يا شهر رمضان أتمم لنا ذكرياتك الماضية ومشاهداتك للصائمين في الأيام الخالية، خصوصاً في ليالي العشر الأخيرة. وكيف كان الناس يودعونك؟ فسكت رمضان هنيهة، وكأنه يفتش في زوايا ذاكرته عن أفلام المؤمنين الأولين. ليعرضها على أبنائهم في القرن العشرين ثم قال:

أيها الإخوة:

ما كان يدخل العشر الأخير من الصيام، إلا والمساجد مكتظة مزدحمة والمؤمنون بين صلاة وتلاوة، وذكر أو مجلس علم أو إنابة، يحيون ليلهم بالقيام، ويعمرون مساجدهم بالاعتكاف.

اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ورغبة فيما رغب فيه، حيث يقول: «من اعتكف عشراً في رمضان كان كحجتين وعمرتين»الطبراني عن أنس، و«من اعتكف يوماً ابتغاء وجه الله تعالى، جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق كل خندق أبعد مما في الخافقين»الإمام أحمد وابن ماجه. ثم استرسل شهر الصيام في حديثه قالا: وكان الصائمون يشمرون عن ساق الهمة والعزيمة. حتى تدخل ليلة العيد فيحيوها صلاة وعبادة، وذكراً واستغفاراً، يحيونها مناجاة وابتهالاً، رغباً ورهباً، وكانوا لربهم خاشعين، كل ذلك رغبة في تحصيل واغتنام ما بشر به النبي الكريم حيث يقول: «من قام ليلتي العيد محتسباً ـ أي طالباً ثواب الله وحده ـ لم يمت الله قلبه يوم تموت القلوب»ابن ماجه عن أبي أمامة.

ثم تابع شهر الرحمة حديث قائلاً: وبسبب ما كنت أرى من المؤمنين الأولين عن توبة صادقة وصيام صحيح ولا سيما عن النقائص والفواحش. وابتعاد عن المعاصي والرذائل. وما أرى من مسارعة إلى الطاعات والقربات. وصدق في الإقبال على الله وصفاء المناجاة. بالإضافة إلى صحبة العلماء العاملين ومجالسة الأولياء والعارفين ـ كنت أرى هذه الأحوال والصفات ترقق من حجاب الصائمين ، وتجلو مرآة قلوبهم، وكانت هذه الأعمال تنشط أرواحهم وتزكي أنفسهم، وتصقل قلوبهم، وتنير بصائرهم، حتى كانوا يشهدون في ليالي الصيام نور الله متجلياً، يملأ الكون والآفاق، ويخرق السبع الطباق ويرون كل شيء ساجداً لعظمة الله ومسبحاً بحمده، مما يجعل هذه الحال مسماة بساعة إجابة الدعاء، بل هذه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر التي سألت عائشة نبي الله عنها إذا شهدتها ماذا تطلب وبماذا تدعو ربها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «قولي عند ذلك: اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني»الطبراني عن ابن عباس

أيها الإخوة:

ثم تابع شهر الصيام حديثه قائلاً: وكنت لا أفارق الناس، حتى أشهد السعادة قد غمرتهم والرخاء والرفاهية قد شملتهم والحنان والرحمة قد خزنت في قلوب الصائمين، ما يكفيهم الأعوام والسنين، كنت لا أفارق الجاهلين. إلا وقد هجروا الجريمة والرذيلة، وقضوا في دخائل نفوسهم على البخل والشح، وأجهز الناس والأغنياء على الفقر والفاقة. فلا جائع ولا عاري، ولا بائس ولا شاكي، ولا خائن ولا سارق، ولا ظالم ولا جائر. كنت لا أفارق الناس إلا وقد أدوا زكاة أموالهم تامة كاملة. عن طيب نفس ورضى الخاطر ثم التفت شهر الصيام قائلاً، كم تقدرون ثروة بلد مثل دمشق. فقلنا: بمائلة مليون ليرة سورية على أقل تقدير، فقال لو فقه الأغنياء حقيقة الدين والصيام. لعلموا أن الله لا يقبل منهم ديناً ولا عبادة، ما داموا يمنعون حق الفقير والمسكين، ثم قال رمضان: ولو أخرجت زكاة البلد، لأمكن تقديم ملونين ونصف مليون ليرة. زكاة مفروضة توزع على ألفين وخمسمائة عائلة فقيرة، يصيب العائلة الواحدة في رمضان، ألف ليرة سورية، وإذا أضيف إلى ذلك زكاة الفطر عن كل شخص مهما كان مقلاً معدماً ليرة سورية أما الغني فيحسبه، وكان سكان دمشق يبلغون حول نصف مليون، لصار ما يدفع للفقراء ثلاثة ملايين ليرة في رمضان وذلك عدا صدقات التطوع وإفطار الصائمين للفقراء والمساكين.

ثم التفت شهر الصيام قائلاً: وإذا كانت الأمة بهذا التراحم والتوادد. والتحابب والتعاون، القوي يساعد الضعيف، والغني يشارك الفقير، ويشركه في ماله وثروته، وسعادته ونعمته، أليست هذه المعاني الاشتراكية التعاونية، التي تهفو إليها قلوب البشرية، وتسعى إليها الشعوب وتبذل في سبيلها دماءها ومهجها؟

ألم يقل القرآن العظيم عن مشاركة الأغنياء للفقراء{والذينَ في أموالِهَمْ حقٌّ معْلومُ للسَائلِ والمحرُومِ} [المعارج الآية: 24].

ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: «ما آمن بي ساعة من نهار، من أمسى شعبان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم»البيهقي عن الحسين بن علي ثم قال شهر الصيام:

لقد أدركت المسلمين الأولين وكان قانون الدولة الإسلامي النافذ. يوجب أن يقدم إلى كل أعمى موظف يقوده في طريقه، وكانت الدولة تقدم أيضاً إلى كل مقعد عاجز. موظفاً يخدمه ويؤمن راحته، وكان المنادي ينادي في الأزقة والشوارع. هل من سائل فنعطيه، هل من أعزب فنزوجه. وكان الغني يحمل زكاة ماله، يدور بها على البيوت فيرهقه الجهد والتعب حتى يسعد بلقاء فقير معوز يقبل أخذ زكاته، وهكذا كنت أرى المسلمين في ظلال تربية الإسلام يرفلون في ثياب السعادة والنعيم. والبحوحة والخير المقيم. وقد ملئوا الشعوب التي فتح العرب المسلمون بلادهم. متعلقة بالعرب ومحبتهم، وتقديس بلادهم واحترامهم حتى عصرنا الحاضر. ذاكرين معروف العرب من الآباء والأجداد الذين هدوهم إلى أقوم صراط. ذاكريهم ذكر المحسن المتفضل، والمنعم المتكرم، ثم قال رمضان وأرجو الله تعالى أن يوفق الأحفاد لترسم خطا الأجداد، وأن يسلك الأبناء ما سلكه الآباء كما قال الشاعر.

بأبه اقتدى عديٌّ في الكرم
ومن يشابه أبه فما ظلم


ثم التفت شهر الصيام إلى جلسائه مستأذناً مودعاً وقال: لقد أزفت ساعة الرحيل والسفر، وضاق الوقت عن الحديث والسمر. وأرجو الله إن ألقى المستمعين في العام القادمين وهم في صحة وعافية، وزيادة إيمان وتوفيق واستودعكم الله والسلام.