السيرة الذاتية
وغاب وجه المفتي العام

وغاب وجه المفتي العام ...
بقلم المطران يوحنا إبراهيم
رئيس طائفة السريان الأرثوذكس بحلب
1. كنت على أهبة الاستعداد لحضور المؤتمر العالمي الثامن عشر للحوار مابين الأديان في ميلانو بين 5-7/أيلول/2004م، عندما نعت وزارة الأوقاف، وعلماء الأمة الإسلامية، ومجلس الإفتاء الأعلى، والمنظمات والمجامع الإسلامية الدولية والمحلية، فقيد الوطن والإخاء الديني، وأحد كبار رواد الحوار المسيحي الإسلامي سماحة العلامة الشيخ أحمد كفتارو.وقلت لنفسي: إذاً مرة أخرى سيغيب وجه المفتي العام الشيخ أحمد كفتارو عن هذه التجمع العالمي! وشعرت بأن الخسارة التي حلّت برحيله لم تبق محصورة بأبناء الفقيد وآله، ولا بمن يمثل من علماء الأمة الإسلامية، بل شملت هذه الخسارة الفادحة كل دعاة التآخي والمحبة والتسامح والعيش المشترك، ليس فقط في سورية والوطن العربي، وإنما في كل العالم.

2. ومن وحي مؤتمر ميلانو العالمي أنقل بعض الانطباعات عن فقيدنا الغالي.كان شعار المؤتمر الديانات والثقافات: الجرأة لصياغة روحانية جديدة للإنسانية، حضره أكثر من ثلاثمائة مشارك، يمثلون ستين دولة في العالم، ومن أديان ومذاهب متعددة، توزعوا على ست وثلاثين طاولة مستديرة، تحدث فيها العشرات، وعادة كانت كلمة سماحة المفتي كفتارو واحدة من أهم المداخلات، نظراً لعلمه الغزير، وأسلوبه الجذاب، وفكره الناضج، وإطّلاعه الواسع، وخبرته المتسمة بالجرأة اللامحدودة لإيصال الكلمة إلى من له آذان صاغية. وعندما ذكرت أمام أحد منظمي المؤتمر وهو المرشد الروحي العام لجماعة سانت إيجيديو وهو المطران باليا الإيطالي نبأ هذا المصاب الجلل، قال لي سأبوح لك بهذا السر. فقلت: وما هو؟ أجاب : كنا في جلسة خاصة مع قداسة البابا يوحنا الثاني في أواخر سنة 1985، وكان قد التقى قبلاً سماحة المفتي كفتارو، فعرض البابا فكرة دعوة رؤساء وممثلي الأديان إلى قمة روحية فريدة من نوعها في مدينة أسيزي/إيطاليا. وقال البابا للتو: قبل أن أبدأ لتحقيق هذا الحلم الكبير الذي راودني ونحن نعيش في هذا العالم المضطرب، كتبت إلى مفتي سورية العام، أستشيره في هذا المؤتمر الهام، فجاء جواب المفتي العام على الفور: نحن معك، نوافق على هذه القمة لأن فيها خير للبشرية جمعاء، وفقك الله.

3. حصل اللقاء في مدينة أسيزي بين رؤساء وممثلي الأديان الكبيرة، وترك أثراً إيجابياً في كل مكان، خاصة لأن كل الدول التي كانت تحارب، استجابت إلى نداء البابا في ذلك اليوم وأعلنت هدنةً بين الجهات المتصارعة والمتناحرة. وكان للهدنة أبعاد كبيرة في ذلك الوقت. وأخذت جماعة سانت إيجيديو في روما على عاتقها مواصلة هذا اللقاء من خلال الدعوة إلى لقاءات أخرى حصلت بدءاً من سنة 1987، في روما، ومروراً أيضاً بروما سنة 1988، ووارسو سنة 1988، وباري سنة 1990، ومالطا سنة 1991، وبروكسل سنة 1992، وميلانو سنة 1993، وأسيزي سنة 1994، وفلورنسا سنة 1995، وروما سنة 1996، والبندقية سنة 1997، وبوخارست سنة 1998، وجينوا سنة 1999، وليشبونا سنة 2000، وبرشلونة سنة 2001، وباليرمو سنة 2002، وآخرها في آخن سنة 2003، وفي هذه السنة/2004/ في ميلانو. وفي كل هذه المؤتمرات شاركت شخصيات دينية وفكرية على مستويات عالمية بمداخلات وأحاديث شتى، ولكن كانت شخصية المفتي العام العلامة أحمد كفتارو الأولى والمتميزة فيها. وترك حضوره مع مساهماته في بعض هذه المؤتمرات احتراماً كبيراً أولاً لشخصه، ثم لبلده، فلوطنه العربي الكبير.

4. وعرفت سماحة المفتي أحمد كفتارو في مؤتمرات عالمية أخرى، منها: في موسكو عندما دعا الرئيس غورباتشوف إلى مؤتمر عالمي حضره ألفا شخصية دينية وفكرية وصناعية واقتصادية حول شعار: نحو عالم خال من الأسلحة النووية سنة 1987.وأذكر كيف أن كلمة الشيخ كفتارو في هذا التجمع العالمي قد تركت صدى كبيراً في كل الأوساط، فهو الذي كان يعرف كيف ينتقي الكلمات، ويصوغ العبارات، ويقدّم الأفكار بأسلوب بسيط ولكنه جذاب، وهذا كان دوره في كل مكان حضر فيه.

5. ومن لقاءاته الهامة ترؤسه لقاء لمفكرين، ورجال دين، وطلاب جامعيين، في جامعة فيينا/ النمسا يوم 18/5/1979 وإلقاء محاضرة قيمة موضوعها: وحدة الأديان السماوية واللقاء بين الإسلام والمسيحية. قال عن فكرة وحدة الأديان بكل جرأة ووضوح: هذه الحقيقة حتى تتركز في عقول الأجيال وتنطبع في وجدان الناس وقلوبهم لا بد لها من جهد وبذل وتعاون وثيق، وتلاق أكيد بين المفكرين في العالم، ومن شتى رجال الديانات السماوية، وهذه فكرة وعقيدة أعمل لها منذ خمس وثلاثين سنة ولا أزال ، وأوصي وأبشّر بها كل مؤمن ومُخلص. فهو يذكر ويذكر جهاد السنوات التي أمضاها من أجل فكرة اللقاء بين الإسلام والمسيحية مستنداً على دراسات وأبحاث في آيات القرآن الكريم ويقول: لقد جعل القرآن بين المسلمين والمسيحيين رابطة روحية يعيشون تحت ظلالها متكاتفين متعاونين، ولا يترك أن تفوته الفرصة وهو يتحدث عن ماضي العلاقات فيتساءل: فلماذا لا نرى في عصرنا هذا مثل هذا التفتح والتعاون والتلاقي فيما بيننا؟!.
وإيمانه كبير بأن للعلماء ورجال الدين دوراً هاماً في هذا المجال، ولهذا لا يكتفي بذكر الحقيقة وإنما يحثهم بقوله: ألسنا نحن علماء ورجال الدين بإمكاننا أن نسهم وإلى حد بعيد في توعية الشعوب من مختلف البلدان والأديان وأن نؤكد لكل الناس أن الله وأنبياء الله وخاصة أبناء شجرة إبراهيم عليه السلام لا ترضى إلا الأخوة والسلام والمحبة بين أبناء البشر، وأن الحقد والعدوان ليسا من تعاليم الأنبياء ووصاياهم؟!.

6. فجرأة هذا الشيخ الجليل لافتة للنظر إلى حد كبير، خاصة وهو يغوص في أعماق الإنسان لينتشله من أمراض الحقد والتعصب والحروب والدمار، وبرؤية حُبلى بالتفاؤل ومليئة بالإيجابيات يُعلن: إنني متفائل ومستبشر، متفائل ولابد أن المسيحي يعانق المسلم، وأن الإنجيل لا بد وأن يتصافح مع القرآن، إنهما ملتقيان عندنا في الشرق منذ القديم، لكني أرى أنهما سيلتقيان مرة أخرى بإذن الله في عصرنا الحديث وفي كل أنحاء العالم، ليضيفا على الكون روحاً جديدة يشم منها الإنسان رائحة الحب والإخاء والسلام.
هذا الكلام الذي قاله قبل ربع قرن أره يتماشى مع روح اللقاء الأخير في ميلانو وشعاره، الأديان والثقافات: الجرأة لصياغة روحانية جديدة للإنسانية.

7. ولن أنسى كلمة سماحته في لقاء القمة الديني على جبل هيي (Monte Hiei) - كيوتو/اليابان بين 2-4/آب/1997، وكنت حاضراً ومشاركاً، وقد أتاحت لي الفرصة أكثر من أي وقت آخر أن أكون قريباً من سماحته، وكانت كلمته الرائعة بعنوان: عطاءات الدين في المجتمع. وهنا استرسل سماحته في معاني العطاء الذي تناول عدة مستويات، منها: الأسرة، ثم الوطن، فالمجتمع العالمي. وقد كانت كلمته مساهمة كبيرة في أعمال هذا المؤتمر العالمي. وأذكر أنه غادر المؤتمر قبل الوصول إلى نهايته، وسأله أحد المشاركين: إلى أين تذهب يا صاحب السماحة، ونحن مازلنا بحاجة إلى حضورك ومساهماتك؟ فقال لهم والابتسامة قد ملأت كل ملامح وجهه البشوش: المطران يوحنا إبراهيم يمثلنا في هذا المؤتمر، ووجوده يعني وجودنا.وقد تركت هذه الكلمة أثراً كبيراً في نفسي، وما زلت أتأمل في المعنى العميق لعبارات سماحته. كيف لا وهو الذي كان يردد في مناسبات متعددة، في الوطن وخارجه، عندما كان يسأل عن عدد المسيحيين في سورية، فيقول لهم: المسيحيون في سورية عددهم خمسة عشر مليوناً، ويسألونه عن عدد المسلمين، فيقول لهم عدد المسلمين في سورية: خمسة عشر مليوناً!! فيضحكون، ويضحك معهم، ويقول لهم: هذه هي سورية الإخاء الديني والوحدة الوطنية والعيش المشترك.سورية التي توفر حرية لأبنائها وبناتها دون تمييز في الدين أو المذهب، خاصة وأن الناس متساوون من حيث بشريتهم، على حد قول القرآن الكريم: ( يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم).سورة الحجرات الآية 13

8. وسماحته كان من دعاة المصالحة الكاملة بين أبناء وبنات الديانات، يستشهد دائماً بحماية أموال وممتلكات أهل نجران النصارى في عهد الرسول، ويؤكد على الحريات العامة وفي مقدمتها: الحرية الدينية، والإعتقادية، وحق ممارسة الشعائر، وصون أماكن العبادة، خاصة وأن القرآن الكريم قد حذّر من قضية إلغاء الآخر (لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي).سورة البقرة الآية 236

9. وبهذا المعنى خاطب الشيخ كفتارو ضيف سورية الكبير قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في زيارته التاريخية لمسجد بني أمية الكبير يوم 6/أيار/2001، قائلاً: لقد عشنا في هذه البلاد المباركة قروناً طويلة مسلمون ومسيحيون، واقتسمنا خيراتها، وتشاركنا في حلو الحياة ومرها، ونعمنا بفضل الله فيها..... وما الواقع الملموس الذي شاهدتموه بأم أعينكم من التآخي والتعاون، وتعانق المساجد والكنائس، إلا برهان ساطع على وحدة إيمانية متميزة، نفتخر بها، وندعو العالم ليقتدي بهذا العيش الإيجابي المشترك، وكل ذلك نابع من التزامنا بتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف، والتزام أخوتنا المسيحيين بالتعاليم المسيحية السمحة. وأذكر هنا كيف أنه كان يتابع أخبار نشاطات الكنائس المسيحية في سورية، ويقوم بواجب التهنئة بالأعياد إلى البطاركة ورؤساء الطوائف المسيحية، مشاركاً إياهم أفراحهم، ويتقبل تهنئتهم بأعياد المسلمين. ومرة كنت إلى جانب قداسة البطريرك يعقوب الثالث عندما جاءه مهنئاً بعيد ميلاد السيد المسيح في دار البطريركية بدمشق، وقال لقداسته: كم استمتعت اليوم صباحاً بخطبة العيد التي استمعت إليها من إذاعة دمشق، فإلى جانب فصاحتكم، ولغتكم العربية التي تدل على طول باعكم فيها، تعلمت الكثير من المعاني السامية لعيد ميلاد السيد المسيح. ولم يجامل سماحته البطريرك يعقوب الثالث وإنما كان يعبر عن مشاعره وأحاسيسه الصادقة تجاه رجل دين كبير ربطته به علاقة صادقة وصداقة متينة، كانت قدوة لكثيرين من رجال الدين في سورية بلدنا الحبيب.

10. حقاً غاب وجه المفتي العام الشيخ العلامة أحمد كفتارو برحيله عن هذه الدنيا، ولكن مواقفه الإنسانية، ورؤيته الصحيحة لعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وتطبيقه لآيات القرآن الكريم في صور الحياة المتنوعة، وتقديم ذاته قدوة للعمل المشترك من أجل خير الوطن والمواطن، كلها بصمات خالدة طبعها في صفحات حياة المؤمنين الصادقين بالله، الذين يضعون الإنسان قبل أي شيء آخر في حياتهم، وخدمتهم له، تنطلق من إيمانهم لخدمة الوطن والإنسانية.
فإلى مصافِ الذين أرضوا الله بأعمالهم وإنسانيتهم نودّع هذا الشيخ الجليل.
وإلى كل الذين رزئوا بفقده من أبنائه وأحفاده وأهله وأصدقائه وتلامذته ومريديه ومحبيه العزاء الخاص.
وإلى هذا الوطن العزيز الذي عمل من أجله كل حياته، وسخّر كل الجهود والأتعاب لإعلاء شأنه، النصر والازدهار والسؤدد.